جيش قمبيز المختفي لا يزال مفقوداًكان الجيش يزحف منھكا تحت قيظ الصحراء. انھا حملة قوامھا خمسون ألف جندي بعث بھا الملك الفارسي قمبيز الثاني من طيبة، عاصمة مصر القديمة. أما مھمتھا، فتدمير معبد آمون الشھير في صحراء مصر الغربية، موطن إحدى النبوءات الكبرى السبع في العالم القديم. لقد تابع قمبيز الفتوحات الإمبراطورية التي بدأھا والده، قورش العظيم، فامتدت حدود إمبراطورية فارس الأخمينية إلى مساحات شاسعة. كان قمبيز إلى جانب أبيه في الحملة على بلاد بابل، وتمكنوا من الاستيلاء على عاصمتھا بابل سنة 539 قبل الميلاد. ثم تابع قمبيز فتوحاته فغزا مصر سنة 525 ق.م، منھيا بذلك عصر الأسرة الفرعونية السادسة والعشرين، ومدشنا حقبة من الحكم الفارسي لمصر دامت ما يقارب القرنين من الزمن. إلا أن قمبيز واجه عقبة كأداء في وجه تثبيت دعائم حكمه لمصر، تمثلت في كھنة آمون من مريدي عراف المعبد الصحراوي الذي تنبأ بموت الملك الفارسي وانتھاء حكمه، تلك النبوءة الشھيرة التي ذاع صيتھا فحرص الإسكندر الكبير بعد حوالي 200 عام على زيارة المعبد في محاولة لاسترضاء كھنته وإضفاء الشرعية على طموحاته الإمبراطورية. لقد رفض الكھنة الاعتراف بحكم قمبيز، فأرسل الملك الفارسي واحدا من أعتى جيوشه عبر الصحراء مترامية الأطراف لتأديب أولئك الكھنة المتمردين. إلا أن تلك الحملة باءت بالفشل. فبعد مسيرة سبعة أيام كاملة، ومعاناة مع الجوع والعطش والحر الشديد، توقف الجنود المنھكون في واحة الخارجة في عمق بحر الرمال الكبير في مصر. وبعد إرواء عطشھم، وأخذ قسط من الراحة، تناولوا خلاله بالتأكيد وجبة دسمة، تابعت الحملة سيرھا مجددا. ثم لم يعرف عنھا شيء بعد ذلك أبدا. ما يزال المؤرخ اليوناني ھيرودوت، الذي يعتبر شيخ المؤرخين، المصدر الرئيس لھذه القصة الشھيرة. فبعد حوالي مئة عام من وقوع الأحداث، كتب ھيرودوت أن ذلك الجيش المشؤوم ابتلعته عاصفة رملية، إنھا رياح الخماسين المخيفة التي تشتھر بھا الصحراء الغربية إلى يومنا ھذا. ويقول المؤرخ الجليل ھبت رياح عاتية من الجنوب، وجلبت معھا أعمدة ھائلة من الأعاصير الرملية، فطمرت القوات بالكامل وأخفتھم عن الوجود. وھكذا ظل جيش قمبيز مدفونا في رمال الصحراء المصرية لآلاف من السنين، حتى نوفمبر الماضي، حسب سلسلة من التقارير الإخبارية الحديثة. فقد جاء العنوان الرئيسي لتقرير إخباري في 8 نوفمبر على الموقع الإلكتروني لمجلة ديسكفري نيوز العلمية. العثور على جيش فارسي مفقود في الصحراء وذكرت المجلة في تقريرھا يحتمل أن بقايا جيش فارسي ھائل، قيل إنه غرق في رمال صحراء مصر الغربية قبل 2500 عام، قد أمكن تحديد موقعھا أخيرا، وھو ما قد يميط اللثام عن واحد من أكبر الألغاز الآثارية العالقة. فقد تم العثور في الصحراء الشاسعة المقفرة على أسلحة برونزية وأساور فضية وأقراط ومئات من العظام البشرية، ما أنعش الآمال في العثور أخيرا على الجيش المفقود الذي ارسله الملك الفارسي قمبيز الثاني. وقد أورد التقرير، الذي سرعان ما تناقلته عدة وكالات أنباء عالمية، ما قاله عضو البعثة داريو ديل بوفالو لقد وجدنا أول دليل أثري على قصة ذكرھا المؤرخ اليوناني ھيرودوت. كانت البعثة بقيادة التوأمين الإيطاليين أنجلو وألفريدو كاستيليوني وھما من مستكشفي الصحراء. وروى تقرير ديسكفري نيوز أن الأخوين، وخلال رحلة سابقة إلى الصحراء المحيطة بواحة سيوة المصرية سنة 1996 ، عثرا على قدر فخاري ومجوھرات وأسلحة قديمة وبعض العظام البشرية. وذكر التقرير أيضا قول ألفريدو كاستيليوني نحن نتكلم عن أشياء بسيطة، لكنھا في غاية الأھمية كونھا أول الآثار الأخمينية، ومن زمن قمبيز تحديدا، التي يعثر عليھا في رمال الصحراء في موقع قريب جدا من سيوة. واضاف أن التقنية الحرارية الضوئية لتحديد زمن ھذه اللقى أرجعت تاريخ الفخار المكتشف إلى نحو 2500 سنة، وھذا يتوافق مع عھد قمبيز . في السنوات التي أعقبت ھذه الاكتشافات الأولية، افترض الأخوان كاستيليوني أن جيش قمبيز لم يسلك طريق القوافل عبر طريق واحات الداخلة والفرافرة، كما كان يفترض الباحثون والمؤرخون. وتضيف ديسكفري نيوز نقلا عن كاستيليوني منذ القرن التاسع عشر، بحث كثير من علماء الآثار والمستكشفين عن الجيش المفقود على طول ذلك الطريق، ولم يعثروا على أي شيء. وبدلا من ذلك، يفترض الأخوان أن الجيش سلك طريقا آخر إلى الغرب من واحة الخارجة، الواقعة إلى الجنوب من الداخلة والفرافرة، نحو جلف الكبير قبل أن ينعطف شمالا نحو سيوة. وخلال تلك البعثة، تم العثور على قبر جماعي يحتوي المئات من العظام والجماجم. ويقال أنھم عثروا إلى جانبھا على رؤوس سھام تعود للعصر الفارسي، وجزء من رفات حصان. وينقل التقرير عن دل بوفالو وجدنا الموقع الدقيق حيث وقعت المأساة في الصحراء المقفرة. ھذه المادة الإخبارية المثيرة ترددت أصداؤھا على الإنترنت لدى جميع المھتمين بالآثار. لم يكن الأخوين الإيطاليين بطبيعة الحال أول من يدعي اكتشاف ذلك الجيش المفقود. ففي سنة 1977، أوردت وكالة الأسوشيتد برس أن بعثة أثرية مصرية اكتشفت آلاف العظام، وسيوفا ورماحا فارسية الصنع، تعود لجيش قمبيز المفقود، في منطقة تعرف باسم بحر الرمال العظيم. وتابع التقرير يقول ويصفھا علماء آثار بأنھا إحدى أعظم اكتشافات القرن. ثم تبين لاحقا أن تلك القصة كانت ملفقة. وفي سبتمبر 2000 ، نشرت مجلة علم الآثار أركيولوجي قصة مماثلة عثر فريق جيولوجي من جامعة حلوان، أثناء تنقيبه عن النفط في صحراء مصر الغربية، على قطع منسوجات محفوظة جيدا، وقطع معدنية تشبه الأسلحة، ورفات بشرية، يعتقد أنھا بقايا الجيش المفقود للملك الفارسي، قمبيز الثاني، الذي غزا مصر وحكمھا في القرن السادس قبل الميلاد. ويتابع التقرير يقوم المجلس الأعلى للآثار، وھو الھيئة المصرية المسؤولة عن تراث البلد الثقافي، بتنظيم بعثة لتحري الموقع خلال الأشھر المقبلة. وإذا تبين بنتيجة الفحص أن تلك الآثار تعود فعلا إلى جيش قمبيز المفقود، فإنھا لا تحل لغزا فحسب، بل توفر لنا مصدرا ثمينا للمعلومات عن الجيش الفارسي في ذلك الوقت. لكن فريق المجلس الأعلى للآثار الذي أرسل حينھا إلى الموقع لم يجد شيئا مھما. ھذه المرة، لم يتجشم المجلس الأعلى للآثار عناء إرسال فريق للتحقق من الأمر. وجاءت ردة الفعل الفاترة للمجلس بل والسلبية، بعد أيام عدة على ظھور قصة ديسكفري نيوز، وعلى لسان أمينه العام زاھي حواس، لتصب الماء البارد على اكتشاف الأخوين كاستيليوني. فقد أعلن حواس في بيان نشر على موقعه الإلكتروني أود إعلام الرأي العام أن التقارير الأخيرة والتي تم نشرھا في بعض الصحف ووكالات الأنباء والتلفزيونات، والتي أعلنت أن ’الأخوين أنجلو وألفريدو كاستيليوني اكتشفا بقايا جيش قمبيز الفارسي، ھي تقارير مضللة ولا أساس لھا من الصحة. ويتابع البيان لم يحصل الأخوان كاستيليوني على رخصة للتنقيب في مصر من المجلس الأعلى للآثار، لذا فإن أي اكتشاف يزعمونه ليست له أية مصداقية، لقد قام المجلس الأعلى للآثار بإبلاغ السلطات القانونية والأمنية المعنية في مصر، ويتم الآن اتخاذ الإجراءات اللازمة. وقد أيدت سليمة إكرام، أستاذة علم المصريات في الجامعة الأمريكية في القاھرة، دحض حواس لھذه المزاعم، وقد اوضحت أن الاكتشافات المذكورة في مقالة ديسكفري نيوز تعود جميعھا إلى عدة سنوات خلت، ولم تؤد إطلاقا إلى أية نتائج جوھرية. تقول إكرام لم تقدم البعثة الإيطالية أية اكتشافات جديدة. إنھم ببساطة أعادوا النظر في المسألة، ولكن الحقيقة أن أحدا لم يخرج بأي شيء جديد على الإطلاق. وتضيف إكرام، التي عادت لتوھا من زيارة الصحراء الغربية ما يزال جيش الملك قمبيز المفقود، حتى ھذه اللحظة، مفقودا. وأكدت إكرام أن مجلتي أركيولوجي وناشيونال جيوغرافيك قد اتصلتا بھا للتأكد من صحة مزاعم المنقبين الايطاليين وقد قلت لكليھما الشيء نفسه، وھو أنه ليست ھناك من قصة. حسب قولھا وألقت إكرام اللوم في القضية على نشر ديسكفري نيوز المتسرع للخبر، فقد نشرت قصتھا مستندة بشكل كامل تقريبا على اكتشافات الأخوين سنة 1996 . وتقول إكرام الامر المؤسف، في المقام الأول، أن مجلة ديسكفري قد نشرت ھذه القصة، وأقل ما يمكن أن يقال عن ھذا، أنه عمل صحفي غير مسؤول. أما بالنسبة للأخوين كاستيليوني، فكلاھما لا يتمتعان بالسمعة الحسنة لدى المھتمين بشؤون الآثار في مصر. وتقول إكرام عنھما ليسا من علماء الآثار، كل ما في الأمر أنھما ارتحلا متجولين في الصحراء وعثرا على بعض الأشياء. إنھما من مستكشفي الصحراء وھواة الآثار، ولا يمكن الاعتماد عليھما. ومع ذلك، فقد اتخذت القصة بعدا سياسيا، مع تأثيرات - وإن كانت فيفة - على العلاقات الدبلوماسية ين مصر وإيران، والمجمدة منذ قيام الثورة الإيرانية سنة 1979. في 29 نوفمبر، ذكر تلفزيون وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية، وھو الذي أذاع قصة ديسكفري نيوز الأولية قبل ذلك بنحو أسبوعين، أن إيران حثت منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم اليونسكو لحماية بقايا جيش الإمبراطورية الأخمينية الفارسي المفقود في مصر. وقد أورد التلفزيون الإيراني ما قاله مسؤول من المنظمة الإيرانية للتراث الثقافي والحرف والسياحة (ICHTO) أن رفض حواس الاعتراف شرعية الاكتشاف كان خاضعا لضغوط سياسية. أما آخر الأخبار التي أوردتھا الصحافة التلفزيونية يوم 10 يناير ھذه السنة، فھو أن مجموعة من علماء الآثار الإيرانيين يخططون للذھاب إلى مصر لدراسة بقايا جيش فارسي عظيم في مجاھل الصحراء. ھل يمكن أن يكون جيش قمبيز المفقود الشھير، الذي سعى في إثره علماء الآثار وصيادي الكنوز لمئات من السنين، ليس إلا أسطورة من الأساطير؟ وھل يعقل أن ھيرودوت، كما افترض بعض المؤرخين، حصل على معلومات خاطئة؟ إكرام، من جھتھا، لا تعتقد ذلك إنھا ليست أسطورة، كل ھذه الأساطير لھا أساس في التاريخ. ما يزال الجيش المفقود بانتظار من يعثر عليه، ونحن ما زلنا نبحث عنه. إنه يبقى واحدا من أھدافنا ومساعينا الآثارية الأساسية. وتنسب إكرام سر الجاذبية الھائلة التي أحاطت بفكرة اكتشاف الجيش المفقود على مر السنين إلى كونه يشكل نداء خالدا بالنسبة لعلماء الآثار والمؤرخين. وتقول إكرام إن الرغبة في الكشف عن جيش قمبيز المفقود تكاد لا تقاوم. فالأمر برمته مثير للغاية، وشاعري جدا ايضا، إنه أسطورة الجيش الذي التھمته الصحراء، وأمنية اكتشافه في يوم من الأيام. وتختم إكرام حديثھا بالقول إن اكتشاف جيش قمبيز المفقود ھو حلم يراود علماء الآثار، وھو ضرب من كأس المسيح المقدسة التي طالما أعجزت الباحثين. عالم من الغموض مدفون في اراضي مصرقصة جيش تعداده خمسون ألف مقاتل مدفون تحت رمال الصحراء منذ 2500 عام، واحتمالات الكشف عن بقاياه، ھي مادة دسمة لفيلم سينمائي من أفلام إنديانا جونز. والحقيقة أن مصر تخفي من الأسرار الدفينة ما يكفي لإنتاج ثلاثية كاملة على الأقل من أفلام جونز. فالإسكندر الأكبر ھو الرجل الذي أنھى حقبة الحكم الفارسي لمصر في نھاية المطاف. وبعد وفاته في بابل سنة 323 ق.م تم نقل جثمانه إلى الإسكندرية، المدينة التي بناھا على شاطئ المتوسط، ليوارى فيھا الثرى في تابوت ذھبي. مرت قرون والقبر يلقى الاحترام والتبجيل من أباطرة الرومان، حتى اختفى ذكره فجأة من السجلات في وقت ما من القرن الرابع الميلادي. وظل مآله لغزاً إلى يومنا ھذا. ظھرت نظريات وتكھنات عديدة حول المكان الذي يضم رفات الملك المقدوني الإسكندرية أحداھا طبعا، ولكن الفرضيات تتضمن أماكن أخرى مثل واحة سيوة ومدينة البندقية، وكل بضع سنين تظھر بعثة أثرية جديدة لتستأنف البحث، إلا أن القبر ظل حتى الآن عصياً على الباحثين. ثم ھناك كليوباترا، آخر ملوك السلالة الحاكمة التي أسسھا الإسكندر في مصر. فحاليا، تستمر أعمال الحفريات بقيادة عالمة الآثار الكولومبية، الدكتورة كاثلين مارتينيز، في موقع تابوسيريس ماغنا، على بعد 45 كلم غرب الإسكندرية، حيث اكتشف الفريق معبداً للإلھة المصرية إيزيس، والتي ارتبطت بھا كليوباترا إلى حد التماھي. وعثر الفريق على قطع نقدية تحمل صورة الملكة وشبكة أنفاق وأقبية تحت أرضية المعبد. مما جعل بعض الخبراء يفترضون أن المعبد الصحراوي ھو المثوى الاخير لكليوباترا، أشھر الملكات في تاريخ مصر. الغريب أن الفرضية لم تلق الحماس لدى خبراء الآثار المصرية، ولعل السبب كثرة الادعاءات المشابھة سابقا والتي تبين بعدھا أنھا باطلة. لكن، تبقى القناعة بأن ھذه الشخصيات ترقد بمكان ما تحت رمال مصر، وأنه لا بد من إماطة اللثام عنھا في يوم من الأيام. |
![]() ![]() ![]() ![]()
|





