Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
العدد الأهم 





الاھتمام الذي يمنحه العالم اليوم للفن العربي والفن الايراني، ليس موجة عابرة ستختفي بعد زمن قصير، ولكنه تصحيح للخطأ الذي ارتكب سابقا في الغفلة عنھما، كما تقول روز عيسى

يبدو أن الفن في الشرق الأوسط يعيش أزھى عصوره. فبينالي فينيسيا ضم ستة أجنحة شرق أوسطية العام الماضي، وبعد نجاح فرع صالة مزادات كريستي في دبي، دشنت منافستھا سوذبيز فرعھا الشرق أوسطي في الدوحة، كما تأسست معارض فنية سنوية مرموقة في كل من أبوظبي ودبي، أما المتحف الجديد للفن المعاصر في نيويورك فاستضاف معرض 2009 الجيل: أصغر من يسوع الذي قدم أعمالا لفنانين من الشرق الأوسط إلى جانب آخرين. وفي الوقت ذاته تقريبا، وبعيدا في لندن، كان تشارلز ساتشي يستثير الكثير من الكتابات الصحفية حول معرضه إماطة اللثام: فن جديد من الشرق الأوسط. لعل السبيل إلى تحقيق الثروات في العالم العربي، عدا عن آبار الزيت الأسود، يكمن في الرسومات الزيتية أو الجص والمنحوتات، أو الوسائط المتعددة، أو الفيديو… حسنا، لعلھا مبالغة بعض الشيء.

الحقيقة أن البروز المفاجئ لمشھد الفن الشرق أوسطي لم يفاجئ إلا أولئك الذين كانوا غافلين عنه. فلقد كان موجودا طوال الوقت. لربما كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر ھي التي دفعت الغربيين للتساؤل عن ھذه الثقافة الغريبة عليھم والتي أفرزت مثل ھذا الفكر العدائي، أو ربما ھو سأم الغرب من فنانيه المحليين، أو أنھا مجرد موضة النھم الدائم للجديد، فقد سادت موجة الاھتمام بالفن الصيني في أواسط العقد الأخير، ويجب أن تتلوھا موجة أخرى تثير الحماسة والاھتمام، فلم لا تكون موجة الفن الشرق أوسطي؟

الحقيقة أن الطلب على الأعمال الفنية الآتية من العالم العربي كان قائما منذ زمن بعيد، وبالتأكيد منذ سنة 1986 عندما بدأت شخصيا بالترويج للأفلام والفنون البصرية المعاصرة من العالم العربي وإيران، وذلك من خلال الصالة التي قمت بتأسيسھا وإدارتھا في لندن سنة 1986 صالة الكوفة، التي مولھا بسخاء المعماري العراقي الدكتور محمد مكية. فحتى في ذلك الوقت بيعت جميع الأعمال التي تم عرضھا، وتلقفھا جامعو القطع الفنية من بريطانيا والولايات المتحدة ومختلف أنحاء أوروبا.

بعض الفنانين الذين كنت أعرض أعمالھم آنذاك ھم نفس الفنانين الذين يجري الآن اكتشافھم من قبل المروجين والعارضين والمستثمرين في المجتمع الفني العالمي الواسع. والنجاح الذي حققه ھؤلاء الفنانون لم يأت بين ليلة وضحاھا، بل نتيجة عمل دؤوب على مدى عقود بعيدا عن الضجيج الإعلامي. فرھاد مشيري مثلا، وھو فنان إيراني في أواخر الأربعينات من عمره، يقدم أعماله الفنية منذ عشرين عاما، ولكنه إلى ما قبل خمس سنوات فقط كان لا يزال يبيع أعماله بأثمان زھيدة. أما محمد إحساي، وھو إيراني آخر في السبعينات من عمره، فقد عمل في مجال الفن لأكثر من 40 عاما، إنھا مسيرة عمر كامل.

وقبل ست سنوات قليلة فقط كانت أعمال إحساي لا تباع باكثر من حوالي 800 دولار أمريكي أو ربما أقل من ذلك، أما ھذه الأيام فقد اصبحت اعماله تباع بمبالغ كبيرة تصل الى 75,000 أو حتى 150,000 دولار امريكي.

بعد ھذه الفورة السريعة في الأسعار، اعتبر بعض المعلقين أن الفن القادم من الشرق الأوسط أصبح وبشكل مفاجئ يباع أغلى بكثير من قيمته الحقيقية. أنا لا أوافقھم الرأي، لأنه من المشروع تماما للفنانين الذين عانت أعمالھم طوال عشرين أو أربعين عاما من سوء التقدير والتقييم، أن ينالوا الآن الاعتراف بالقيمة الحقيقية لأعمالھم، وأن يستمتعوا بقدر يستحقونه من النجاح المالي ولو جاء ذلك متأخرا.

وبما أن أعمال بعض فناني الشرق الأوسط حققت مؤخرا أسعارا مرتفعة في المزادات الفنية، فان الصالات تستمر في عرض أعمالھم بأسعار خيالية. وطالما أن موجة الفن الشرق أوسطي ما تزال بعيدة عن الانحسار، أود أن أقترح أفكارا استثمارية مھمة ما تزال قائمة. فھناك بعض الأعمال الفنية الرائعة معروضة في السوق بأسعار أراھا بخسة. خصوصا أن ھذه الأعمال لقامات فنية شامخة، مثل الفنانة الإنجليزية الفلسطينية منى حاطوم المتخصصة بالفن الذھني التصوري، والفنان الإيراني ذو ال 86 عاما منير فرمانفارميان، والفنانة مليحة أفنان التي ولدت في فلسطين لأبوين إيرانيين وتعكس أعمالھا تاريخھا الشخصي، والفنان المصري الأرمني شانت أواديسيان وھو من يحتفظ معھد سميثونيان والمتحف البريطاني ببعض أعماله من فن البوب آرت لرموز عربية كبيرة مثل جمال عبد الناصر وأم كلثوم.

لقد حظي الفن الشرق أوسطي دائما، وقبل أن تسلط عليه الأضواء العالمية بوقت طويل، بدعم ورعاية الشتات الشرق أوسطي الھائل في المھجر. وعندما يتحول اھتمام الجامعين والمستثمرين الأوروبيين والأمريكيين يوما ما عن فن الشرق الأوسط، سيبقى دعم الرعاة الأصليين قائما. بل وأكثر من ذلك، مع انبثاق العديد من المؤسسات الثقافية الجديدة في منطقتنا، سيكون العالم العربي قادرا على الحفاظ على فنانينا البارزين في مركز الصدارة. حين ساھم الغرب في لفت الأنظار إلى فن الشرق الأوسط، كان ما أثار انتباھه في المقام الأول أسلوب فني فريد، ھو خلاصة مزيج متشابك من التاريخ العريق والثقافة المتجذرة، وبشكل مأسوي، الصراعات الحديثة.

إن العمل الجيد سيبقى جيدا على الدوام. والفنانون المبدعون ذوي السجل الحافل لھم مكانتھم دائما، ومھما تكن الصرعة أو الموضة السائدة، سيبقى ھواة الفن، الذين يستمتعون بالمساھمة الإيجابية للفن في حياتھم اليومية، ممتنين لأولئك الفنانين وأمناء المعارض الذين يدعمون الفن ليتقدم خطوة إلى الأمام ويقولون ما لا تقوله الحكومات: لدينا مواھب رائعة نعتز بھا.



  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة