Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
مقابلة العدد 





ينقل جو ساكو تقاريره الصحافية من مكان حدوثھا في بؤر الصراع على شكل قصص مصورة. موضوعاته بعيدة عن التبسيط، وما يميز عمله بحق ھو العمق والإنسانية التي تفتقدھا الكثير من الأشكال الصحفية التقليدية. أوليفيا سانجي تحدثت إليه في منزله في بورتلاند في أوريغون

الرسومات مأخوذة من كتاب ھوامش في غزة

أفضل أن أمضي وقتي في المقھى. فھناك تجري الأحداث الحقيقية. بھذه الكلمات بدأ جو ساكو يحدثني عن الطريقة التي يجمع فيھا المادة لكتبه. المقاھي أرض خصبة لمراسل يتيح لشخصياته أن تتحدث، فھو يرصد حياة تلك الشخصيات ويسرد ما ھو في الغالب أحداثا مؤلمة. وبينما تتحدث شخوصه في مجرى الاحداث، يجد المرء ساكو بكراسه وعينيه المختبئتين خلف نظاراته، حاضرا دائما في المشھد.

إنه ھناك في الصور لأنه يحب أن يظھر كيف استطاع الحصول على الحكاية، فھناك الإحباط ونفاد الصبر، والبھجة أيضا عندما يكون مصدر الحكاية جيدا. ليست تقارير ساكو الصحافية سطحية، كما أنھا ليست خيالية سحرية. إنه مثل عالم آثار يكشف طبقات الأرض رويدا رويدا للاقتراب من الحقيقة قدر المستطاع.

أمضى ساكو سبع سنوات من البحوث والكتابة والرسوم ليطلق كتاب القصص المصورة ھوامش في غزة والذي خرج إلى النور مؤخرا. يركز ھوامش في غزة على مذبحتين غير معروفتين إلا على نطاق ضيق، استھدفتا مدنيين فلسطينيين في قطاع غزة نفذھا الجيش الإسرائيلي خلال أزمة قناة السويس عام 1956. وھذه الاحداث ھي التي يسميھا ساكو ھوامش لأنھا أحداث امحت من التاريخ ونسيھا العالم.

في البداية اھتم ساكو بھذه الحوادث أثناء عمله مع إحدى المجلات الأمريكية. ومع كريس ھيدجز وھو صحافي زميل له قام بجمع شھادات شھود عيان في خان يونس الواقعة في الجزء الجنوبي من قطاع غزة، لكن فيما بعد استبعدت ھذه الحلقة من المقالة الأخيرة في سلسلة مقالاته، وكان ھذا كافيا لإثارة استياء الرجل الذي قرر العودة إلى غزة والتنقيب بحثا في التاريخ. ويقول ساكو ان الغضب يحرض المرء على الفعل. ما نأمله ھو أن يكون ھذا الفعل إيجابيا. يجب أن أصب غضبي في قنوات مفيدة، فھو الوقود الذي يحثني على المضي ولسنوات قادمة.

ولد جو ساكو في مالطا عام 1960 ، وھاجرت أسرته إلى أستراليا ومن ثم إلى أمريكا، وھناك حصل على شھادة في الصحافة من جامعة أوريغون، ثم وبعد أن انخرط في عدد من الأعمال العادية الرتيبة قرر أن يقوم بالشيء الذي يحبه، ومن ضمنه إصدار قصصه الكوميدية المصورة. ظھر أول ريبورتاج مصور من خلال مرافقته لواحدة من فرق الروك الموسيقية إلى جولة قادته في أرجاء أوروبا. لكنه عقد العزم في العام 1991 على أن يلقي نظرة أكثر تمعنا على الحالة الفلسطينية، إذ شعر أن الإعلام الأمريكي لا يقول الحقيقة كاملة.

من دون أي تفويض من وسائل الإعلام السائدة وبمبلغ قليل جدا من النقود وصل ساكو إلى فلسطين، وكان صحافيا قليل الخبرة - ھكذا وصف نفسه- عصابيا، مرتبكا، تنتابه بعض المخاوف. وما رآه ھناك وسمعه وفر المادة لسلسلة من تسع قصص مصورة بعنوان فلسطين وقد باءت بفشل ذريع من حيث المبيعات حسب رأيه. عمله التالي كان أكثر نجاحا على الصعيد المادي. فالوقت الذي أمضاه في البوسنة نجم عنه كتاب بعنوان منطقة آمنة في غوراجده وقد قوبل بالكثير من الحفاوة النقدية وأطلقت عليه مجلة النيويورك تايمز لقب كتاب العام بامتياز وعلى خلفية ھذا النجاح أعيدت طباعة قصص فلسطين ضمن كتاب واحد ووصلت مبيعاته الى 60,000 نسخة في الولايات المتحدة الأمريكية وحدھا. وجاء في مقدمة الكتاب التي كتبھا المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد لم يسبق لأحد من قبل، باستثناء واحد أو اثنين من الكتاب والشعراء، أن تناول ھذه الأوضاع الرھيبة بشكل أفضل من جو ساكو.

مضى ھذا الرسام ليجسد مزيدا من مھماته في قصص مصورة عاملا مع صحف ومنشورات إخبارية دولية بارزة، بما فيھا مجلة ھاربر، وصحيفة الغارديان البريطانية، ومجلة النيويورك تايمز، ذاھبا إلى مناطق الصراع مثل سراييفو والعراق. عندما يكون منھمكا في العمل، يسجل ساكو أو يدون الملاحظات خلال اللقاءات، وفي معظم الأحيان يوثق موضوعاته بالصور الفوتوغرافية. ومن أجل كتاب ھوامش في غزة وصل ساكو إلى أرشيفات الصور في الأونروا وكالة الامم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في مدينة غزة كي يتمكن من رسم مخيمات اللاجئين في خمسينيات القرن الماضي. وتعتمد أساليب ساكو على المدرسة القديمة، فخطوطه الأولى يرسمھا بأقلام الرصاص، ومن ثم يأتي دور أقلام الحبر، وثم، لوحة إثر لوحة يمضي في تظليلھا.

وإن حدث وارتكب خطأ ما، يتناول ساكو سكينا ويقص ذلك الجزء من اللوحة ويلصق مكانه قطعة جديدة، وھي طريقة قديمة في العمل. يعمل ساكو لساعات منتظمة وينتج صفحتين من العمل الفني كل خمسة أيام. وقد استغرق كتاب ذو ال 432 ھوامش صفحة أربع سنوات من العمل المستمر. وبات أسلوب ساكو أكثر حنكة وإتقانا مع كل رواية مصورة، كما أصبحت شخصياته أكثر قربا من شخصيات تمثيلية منھا الى رسوم الكاريكاتور. وأقر ساكو بتأثره بأسلوب فنان القصص المصورة الھزلية الشھير روبرت كرمب الذي رصدت أعماله الساخرة الثقافات الھامشية للبشر الذين يعيشون في قاع المجتمع في أمريكا بالسبعينيات. لكنه يقول إن رسامي القرنين السادس عشر والسابع عشر الفلامنكيين ألھموه أيضا. وقبل نھاية كتاب ھوامش يجد القارئ صفحة مزدوجة تكاد تكون مأخوذة من أحد نقوش ديورار، فالتظليل فيھا مشابه جدا لأعمال ذلك الفنان.

إن جانبا مما يشد القارئ إلى ھوامش ھو مزج ساكو لأحداث عام 1956 مع الحاضر وإظھاره الكيفية التي يصوغ بھا علاقاته مع الشخصيات التي تساعده خلال بحوثه. أما الشيء المركزي في حكاياته فھو دليله عابد وھو شخصية صلبة لكن مريحة ، توحي بالاطمئنان، تتطور علاقة ساكو معه إلى صداقة وصحبة دائمة، ويقول أرافق عابد في الصباح والظھر والليل. عندما أكون معه، فحتما أنا في حال جيدة.

قام ساكو برحلتين إلى خان يونس ومن ثم إلى رفح. الأولى منھما في نوفمبر عام 2002 ، وفي عام 2003 بقي شھرين في المدينة . كانت الحالة بعيدة جدا عن الھدوء. فھناك بيوت تتھدم في الوقت الذي قتلت فيه ناشطة السلام الأمريكية راشيل كوري، وسكون الليل تقطعه أصوات إطلاق النار وصرير إطارات المدرعات الإسرائيلية. الوقت الوحيد الذي يرى فيه المرء ساكو من دون نظارته ھو عندما يكون ساھرا في ليلة يجافيه فيھا النوم بسبب الضجيج والصخب. ولكنه دائما موجود ضائع في مكان ما في تفاصيل وتعقيدات أحداث جرت خلال ساعات قليلة من نوفمبر عام 1956. بينما كان ساكو وعابد يجمعان حكايات وتقارير شھود العيان ويبحثان وينقبان عنھا بدقة للكشف عن أي تناقضات، كانا يتناولان المعجنات المحلاة بالعسل مع كميات كبيرة من القھوة. بات عابد مھووسا كما ھو ساكو بالحصول على الحقائق مباشرة. كلما سمعنا اكثر، كتبنا المزيد عن تصورنا عن ذلك اليوم في عام 1956 وأعملنا عين النقد وتوخينا الحذر في كل حكاية نسمعھا. في النھاية حصل ساكو على حكاياته والنتيجة كانت عملا ضخما ساحرا مقنعا أعاد دمج تلك الھوامش ووضعھا في مكانھا الذي تستحق ضمن التاريخ.

لكن ما ھو جديد ساكو؟ من الواضح أن القضايا الكبيرة والثقيلة لا تخيفه، وفي الوقت الحالي يعمل الرجل على عدد من الحكايات، تتحدث إحداھا عن عمال أفارقة مھاجرين يسعون إلى الوصول إلى أوروبا عبر مالطا. كما يعد لرحلة وشيكة إلى الھند بغرض الاستقصاء عن الفقر في الأرياف ھناك. رغم ذلك يجد ساكو التوازن والطمأنينة في بيته في أوريغون حين يعود اليه قادما من مناطق التوتر وبؤر الصراع، ليبدأ بالتركيز بھدوء على إعادة تشكيل الصور التي جاء بھا من أرجاء العالم.

صدر كتاب ھوامش في غزة عن دار جوناثان كيب، لندن

سيرة موجزة

1960
ولد جو ساكو في مالطا. كان والده مھندسا وأمه معلمة مدرسة. ھاجرت العائلة إلى أستراليا ومن ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

1981
تخرج من قسم الصحافة من جامعة أوريغون، وبعد عمله في عدة وظائف غير مجدية أصيب بالإحباط فيمم وجھه إلى أوروبا ليرسم القصص المصورة في مالطا.

1985
عاد إلى امريكا ونشر أوائل قصصه المصورة في مجلات تصدر عن دور نشر صغيرة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا.

1990-91
بينما كان يقيم في برلين، بدأ اھتمامه بالشرق الأوسط، ويقول منطقة لا تحظى بما تستحقه في تقارير وسائل الإعلام الأمريكية. لذا اعتقدت أنه قيامي بوضع كتاب مصور عنھا امر مفھوم.

1993
نشرت أول حلقة من سلسلة فلسطين المؤلفة من تسع حلقات. كنت شخصا ساذجا لا أعرف إلى أين أمضي أو ماذا أفعل.

1994-1995
أمضى بعض الوقت في البوسنة، وفيھا تفتحت قريحته وأثمرت كتاب منطقة آمنة في غوراجده.

2001
نشرت سلسلة فلسطين في كتاب واحد. وفي ھذا العام عاد ساكو إلى غزة في أولى زيارتيه للقطاع، ليجمع مادة جديدة ھناك.

2009
نشر كتاب ”ھوامش في غزة“. بعد انتھاء مشاريعه الحالية، يخطط ساكو للابتعاد فترة عن الصحافة ليعمل على مذكرات مصورة عن فرقة رولينغ ستونز الشھيرة.



  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة