Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
قدر أعلى من الرمز 





قدر أعلى من الرمز

ھل سيكون برج دبي ھو مجرد الابرة التي ستثقب الفقاعة؟ ادوين ھيثكوت لا يعتقد ذلك

ھناك نظرية ثبتت صحتھا إلى حد كبير، وھي أن تشييد أعلى مبنى في العالم في زمن ما ھو بمثابة نذير كساد وتراجع حتمي.

ولعله لا برھان أكبر على ذلك من برج دبي. فبإرتفاعه البالغ 818 مترا 2,684 قدما وبطوابقه الكثيرة وعددھا 162 طابقا، يبدو ھذا البناء المنيف الذي يلوي الأعناق عندما تنظر إليه، ويخيل إليك أنه يستدق مع ارتفاعه عاليا حتى يصبح أشبه بالإبرة الى ان يختفي في السماء مجسدا بذلك فكرة التلاشي، وتلاشيه الخاص بالتحديد. ويذكّرك الشكل المتدرج لھذا البرج بطراز عمارة الآرت ديكو المتكلف الأنيق الذي ميّز الجيل الأول من المباني والأبراج فائقة الارتفاع في نيويورك. ففي أواخر العشرينيات من القرن الماضي، كان برجا كريسلر والإمباير ستيت في المدينة يتسابقان على لقب المبنى الأعلى في العالم، ولكن لم يكتمل بناؤھما إلا بعد الكساد الكبير وانھيار أسواق المال عام 1929 ليظلا بعدھا شبه فارغين لعقود. وبالمثل، ظل برجا مركز التجارة العالمي الأحدث بناء فارغين تقريبا خلال أزمة التضخم المالي الحادة المصحوبة بانكماش اقتصادي في أواسط السبعينيات من القرن الماضي والتي شھدت إفلاس نيويورك وانتشار الجريمة بھا، وانحدارھا إلى حضيضھا. أما الضجة الاحتفالية التي رافقت انتقال ريادة إنشاء المباني المرتفعة إلى آسيا مع اكتمال إنشاء أبراج بتروناس، فسرعان ما داھمھا انھيار الأسواق الآسيوية عام 1997 . والأمر ذاته يتكرر الآن مع برج دبي. فبينما أكتب ھذا المقال، تمتلئ الصحف بعناوين عن الطلبات اليائسة التي تقدمھا شركات التطوير العقاري في الإمارة لتأجيل دفع تعويضات الفوائد المستحقة على ديونھا، والتوتر الذي يسود الأسواق بسبب ضبابية الموقف المالي للإمارة. وتوحي ھذه العناوين أن انھيار فقاعة دبي قد يكون مثيرا تماما كما كان ظھورھا.

غير أن ھذا لا يمكن أن يعمينا عن أن برج دبي وان كان بناء غير ضروري، فھو يمثل تجليا للجمال. لقد كان البرج بقلب حملة ضخمة حول ارتفاعه وأھميته وتحوله إلى رمز لنجاح دبي- الذي بدأ يضمحل الان- في سعيھا لتصبح الأكبر والأعلى والأكثر ثراء. واليوم تناسى الجميع روعة معماره الفريد. تصميم برج دبي مستوحى من التزيين الاسلامي المعروف المؤلف من بتلات زھرة، وقد استفاد انشاؤه من التحسينات التي أدخلھا مھندسوه المعماريون، وھم شركة SOM خلال قيامھم ببناء برج ھانكوك الرائع في شيكاغو. فالفكرة الأساسية تقوم على مجموعة من الھياكل والأبنية المتوازية المرتبطة معا بشكل وثيق حول محور مركزي أجوف. وھذه الطريقة تعني بناء برج أكثر متانة، ولكن أخف وزنا من الأبراج التقليدية التي تعتمد على كتل مصمتة، كما ھو الحال في برجي مركز التجارة العالمي. كما أن ھذا الأسلوب في البناء يعطي شكلا مستدقا أنيقا، وھو مدين بجزء كبير من جماليته لنماذج ناطحات السحاب الكلاسيكية المتتدرجة والتي تبدو مستوحاة من مدرجات حضارة الأزتيك في المكسيك، وھي منتشرة في نيويورك وشيكاغو. وفي وقت ما خلال بناء البرج وصل الى ارتفاع كان ظله المتروك على خلفية السماء في الليل من أجمل المناظر في الشرق الأوسط، إذ بدا المبنى أشبه بإبرة نحيفة قاتمة، وقد طرزتھا كوكبة متألقة من أضواء الإنشاء القوية. لقد كان ھيكلا مھيبا، بابليا في طموحه، متعاظم الطول حتى بدا من المستحيل تقدير ارتفاعه حتى عند مقارنته بمجموعة الأبراج المصطفة على طريق الشيخ زايد الحافل بالأبراج. ولكن عندما أضيفت كسوة البناء، أفسدت شكله. وبينما ظل شكله العام مثيرا للإعجاب، فإن تلفحه بجدار أشبه بستارة بسيطة حرمه الكثير من عناصر قوته وزخم حضوره. فكما كان الحال مع البناء الذي شيده بروغل ليماثل برج بابل، والذي أصبح نموذجا لذلك البناء الأسطوري اللولبي المتعالي بمصيره المحتوم، كانت أروع المناظر لبرج دبي تسجل خلال إنشائه، وفي إمكانياته التي بدت لا نھائية لاختراق عنان السماء.

لكن يبدو أن إبرة برج دبي ثقبت الفقاعة. ذلك التوسع اللامعقول في البناء بشكل بدا اعتباطيا، ونمو دبي من مستوطنة صحراوية لا يزيد عدد سكانھا عن 60,000 نسمة في نھاية عقد الستينيات من القرن العشرين الى مدينة كبيرة مسرفة في ترفھا تضم 1.5 مليون نسمة اليوم وكان من المتوقع لھا قبل أشھر قليلة فقط أن تستضيف أكثر من 6 ملايين سائح سنويا بحلول العام 2010. إن برج دبي يتحول اليوم ليصبح النموذج الأمثل للعجرفة. وقد وصفه كاس جيلبرت، مصمم مبنى وولورث في نيويورك، بأنه آلة لجعل الأرض تدر ارباحا. لكن ھذا المفھوم للبرج كأداة ترتفع لأعلى بشكل لا نھائي لرفع قيمة موقعه وما يجاوره من مساحات صغيرة ولكن ذات أسعار باھظة كما ھو الحال في مناطق مثل مانھاتن بنيوورك وھونغ كونغ اختفى لصالح اعتماد البرج كرمز. فدبي، أكثر من أي مكان آخر، اعتادت على استخدام ناطحات السحاب للتعريف بنفسھا كمدينة مرغوبة، ولم يعد فن العمارة خادما للأعمال، ولكن رمزا لھا ھذه الإمارة الصغيرة لابد أن تكون ناجحة، ويكفي أن تنظر إلى ناطحات السحاب الكثيرة بھا. في النھاية، مدينة في قلب الصحراء حيث لا يمثل نقص المساحة مشكلة على الإطلاق، أصبحت فنون العمارة والابنية الشاھقة بمثابة إعلان للتعريف والترويج، ولتمييز ابراجھا عن كل الأبراج الأخرى. فالارتفاع ببساطة أسھل وسيلة للتمييز. ومبرر الوجود بالنسبة لدبي كان في تضخيم فقاعتھا العقارية، لتصبح أوضح مثال على المبالغة في النمو والتوسع. وافتتاح البرج ھذا الشھر غدا أشبه بعلامة تعجب في نھاية الفقاعة. غير أنه، وكما يتضح من جميع ناطحات السحاب العظيمة التي ظھرت سابقا، انه وفي الوقت المناسب، يمكن للأثر الخالد أن ينتشل نفسه من سخافة اسباب بنائه. فأثناء تشييد برج دبي طرحت مشروعات عديدة استھدفت التفوق عليه، منھا إقامة أبراج عالية يبلغ ارتفاعھا ميلا كاملا، وأبنية جنونية المظھر. إلا أن ھذا البرج، رغم تضاؤل أھميته، وقياساته المبالغ فيھا، وإسرافه في الارتفاع، ورمزيته المتدھورة، والتي لا تستطيع ان تخفي معھا أناقته وروعته في طموحه قبل كل شيء، يبدو أن قدره ھو أن يصبح البناء الأعلى على مدى جيل كامل. وقد يستمر ليصبح أكثر من مجرد رمز.


  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة