|
القاهرة
خارج المنافسة
مع العدد الكبير من المهرجانات السينمائية في منطقة الشرق الأوسط، يجاهد أقدم تلك المهرجانات وأعرقها في المنطقة في سبيل الحفاظ على مكانته
شهد الشهر الماضي انطلاقة الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وهو الأقدم في منطقة الشرق الأوسط. شارك في المهرجان 150 فيلما من 67 بلدا في ظل غياب كامل للأفلام المصرية وحتى أسابيع من بدء المهرجان، مما سبب حالة إرباك وإحراج دفعت رئيس المهرجان عزت أبو عوف إلى عقد مؤتمر صحفي ألقى فيه باللوم على المخرجين والمنتجين، وقال هذه ظاهرة يجب دراستها بعناية. لست أفهم ما هي مشكلة صناعة السينما المصرية مع مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يتردد المخرجون المصريون كثيرا قبل أن يقدموا عرضهم الأول في القاهرة بعد أن وجدوا أن المهرجانات التي تقام خارج البلاد أكثر فائدة سواء على صعيد الترويج لأفلامهم أو على صعيد المردود المادي، مما جعل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في هذه الأيام يواجه خطر منافسين إقليميين جدد مثل مهرجان ترايبيكا السينمائي في الدوحة، ومهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي في أبو ظبي، ومهرجان دبي السينمائي الدولي. ويقول المخرج المصري محمد أبو سيف هناك إغراءات تأتينا من الخليج كما تنتظرك مكافآت مادية مجزية إن حصد فيلمك احدى الجوائز.
في النهاية، وافق مخرجان مصريان اثنان على تقديم العرض الأول لفيلميهما في الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة. فقد شارك مجدي أحمد علي بفيلم عصافير النيل المأخوذ عن عمل أدبي للروائي المصري الشهير إبراهيم أصلان. وشأن العديد من أعمال اصلان، تركز روايته على أهل الريف المهاجرين إلى المدينة والفقراء من سكان المدن الذين يعيشون في حي إمبابة الفقير ملجأ الطبقات المسحوقة. وأما أحمد عبد الله فشارك بفيلم هليوبوليس الذي يركز على منطقة تحمل اسم الفيلم كانت فيما مضى مكانا حضاريا ساحرا متعدد الثقافات، وفيه يقدم المخرج خمس حكايات معاصرة تتداخل مع بعضها. صور الفيلم بكاميرا رقمية في غضون سبعة عشر يوما فقط، واشتركت فيه مجموعة من الممثلين لم يبرزوا بعد على الساحة الفنية عملوا جميعهم من دون مقابل مادي. واعتبر هذا الفيلم مثال على السينما المصرية المستقلة الناشئة.
لا شك أن مصر هي مهد السينما العربية وحاضنة نموها وازدهارها. فقد شهد العقد الثاني من القرن الماضي إنتاج أول الأفلام المحلية. أما الازدهار الكبير الذي شهدته صناعة السينما التي حلت في المرتبة الثانية في عائداتها المادية بعد قطاع الأقطان، فجاء بحلول الحرب العالمية الثانية. ومع إطلالة الثلاثينيات من القرن المنصرم وحتى الستينيات منه كانت الأفلام المصرية تقف جنبا إلى جنب مع الأفلام التي كانت تنتجها هوليوود وأوروبا. لكن الخط البياني غير مساره فقد واجهت هذه الصناعة مرحلة انحدار حمل البعض مسؤوليتها إلى حركة التأميم في الخمسينيات، وقيل حينذاك إنها كانت السبب في تعثر السينما المصرية وتخلفها عن ركب التطورات التقنية. بينما يحمل آخرون عملية الخصخصة مسؤولية هذا الانحدار الذي بدأ في السبعينيات. يقول المخرج محمد أبو سيف نجل المخرج الشهير صلاح أبو سيف دأبت الحكومة المصرية في الستينيات على دعم صناعة السينما بشكل كامل، فقد كانت مدركة للدور الذي يلعبه الفن، وهو تصدير ثقافتنا إلى الخارج. فيما بعد انتقلت السينما إلى القطاع الخاص، ولم يعد هناك من رحمة. ووصلت هذه الصناعة إلى أدنى مستوى لها عام 1997 الذي لم يشهد سوى 16 فيلما جديدا بعد أن وصل عدد الأفلام التي أنتجت عام 1992 إلى 70 فيلما.
لكن مذاك بدأت الأمور تتحسن نسبيا. فقد عاد الجمهور إلى صالات السينما تجذبه أنواع جديدة مثل الأفلام الكوميدية الهابطة، وأخرى درامية خفيفة تتحدث عن المشاكل العاطفية لدى الشباب المثقف. وهناك أفلام أيضا حققت نجاحا وإقبالا شديدين مثل عمارة يعقوبيان الذي أنتج عام 2006 وأفلام أخرى جمعت بين المغامرات والقصص العاطفية مثل حين ميسرة للمخرج خالد يوسف. وللمفارقة، وبعيدا عن المشاكل التي يواجهها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، يعتقد العديد بأن عام 2009 سيكون عام خير على السينما المصرية، على الأقل من حيث استعادة بعض من مكانتها. فللمرة الأولى يتم اختيار ثلاثة أفلام مصرية لدورة مهرجان البندقية السينمائي لهذا العام وهي احكي يا شهرزاد للمخرج يسري نصر الله، و المسافر لأحمد ماهر، و واحد صفر لكاملة أبو ذكري، وقد عرض الفيلمان الأخيران في مهرجان لندن السينمائي. وهذا أمر جيد لصناعة السينما المصرية، لكن لعله ليس كذلك بالنسبة لمهرجان سينمائي إقليمي كان له حضوره واحترامه، وينافس الآن لاستعادة مكانته بين قائمة من المهرجانات الدولية التي تحفل أكثر وأكثر، بمزيد من الأفلام.
|