|
لندن
من طهران الى شارع بيكر
الإيرانيون مولعون بشخصيات شارلوك هولمز وبوارو وميرغيه. لكن لماذا ليس لديهم محققهم الخاص بهم؟
بالنسبة لي وللكثير من الإيرانيين لا شيء يمكن ان يمثل لندن أكثر من سيد الغليون الذي يرتدي قبعة التحري ويحمل بيده العدسة المكبرة. ليس فقط لأن عنوان221b شارع بيكر الذي ابتكره كونان دويل هو العنوان الوحيد الذي كنت أعرفه قبل قدومي إلى هنا للمرة الاولى، بل أيضا بسبب حنيني الذي لا ينتهي للمسلسل التلفزيوني الرائع مغامرات شرلوك هولمز والذي يتمتع بجماهيرية واسعة في إيران.
عرض مسلسل شرلوك هولمز عشر مرات على الأقل على التلفزيون الوطني للجمهورية الإسلامية. وتنتشر في إيران نسخ ال DVD من المسلسل بعد ان تمت دبلجته إلى اللغة الفارسية. كما ترجمت قصص شرلوك هولمز إلى الفارسية وتعتبر من بين الكتب الأثيرة عند الإيرانيين.
والإيرانيون متحمسون جدا لشرلوك هولمز والمفتش بوارو بطل قصص أغاثا كريستي وللعديد من المحققين الغربيين الآخرين مثل الكوميسار ميغريه بطل قصص الكاتب البلجيكي جورج سيمنون. يعود السبب في ذلك في جانب منه إلى أن تلك القصص تستحضر لدى الإيرانيين صورا شعبية عن الغرب، ولأن إيران أيضا لا تمتلك في الواقع تاريخا من الرواية البوليسية، رغم أن الادب الفارسي يحتوي على القدر الكبير من الشعر.
لست أذكر كاتبا إيرانيا كتب قصصا عن شخصية محقق شرطة، رغم أن جلال أريان، الشخصية الروائية للكاتب إسماعيل فصيح، كان دائما يمتلك إحساسا كبيرا في ما يتعلق بإلتقاط ما يجري حوله اضافة الى قدرته على الاستنتاج المنطقي. أما المسلسل التلفزيوني المحقق للمخرج حسن هدايت فهو العمل التلفزيوني الإيراني الوحيد والحقيقي الذي شاهدته في هذا الإطار.
لا ريب أن الرقيب الإعلامي الحكومي في إيران يحب القصص البوليسية الغربية لأنها وبشكل عام لا تثير قضايا خلافية، سياسية كانت أم أخلاقية، وبالتالي فهي لا تتطلب رقابة. فمشهد الحياة في لندن الفيكتورية التي عاش فيها هولمز ينسجم مع القيم الإسلامية في إيران الحديثة. فما السيد هولمز سوى جنتلمان دمث الأخلاق، وهو لا يميل إلى النساء كثيرا. وأما النساء في تلك الفترة فيرتدين أثوابا طويلة كما أن معظمهن يضعن ما يغطي رؤوسهن.
اته لأمر حسن أن يلعب شرلوك هولمز في إيران دور الترياق مقابل الصورة السائدة تاريخيا عن بريطانيا والتي تبرزها متآمرة وتتدخل في الشؤون الإيرانية. فالبريطانيون أنفسهم يعتبرون عموما غامضين أذكياء وذوي وعي سياسي ومحترمين وحاذقين يشاع بأنهم يشتركون بهذه الميزة الأخيرة مع أهل أصفهان.
مر عقد من الزمن منذ ان قرأت معظم ما كتبه كونان دويل من قصص عن شرلوك هولمز أو شاهدت اقتباسات تلفزيونية عن تلك القصص، لكن وقع حوافر الجياد في شوارع لندن المعبدة بالحجارة الصغيرة لا يزال يدوي في أذني. أفكر بهولمز وهو يعطي النقود لأطفال في الشارع لقاء معلومات يمنحونه إياها، ويمعن النظر بآثار الأقدام في موقع الجريمة، وبمعرفته الشاملة التي تمتد إلى ميادين كثيرة من الأدب إلى الكيمياء. وأتخيل طريقته السريعة في ارتقاء الدرجات السبع عشرة إلى شقته حيث تلقي السيدة هدسون عليه تحيتها المعتادة. أفكر بأسلوب حياته البوهيمي. أما أكثر ما يثير اهتمامي ويشدني إليه فهو الجراب الفارسي الذي يضع فيه تبغه. لذا عندما وصلت إلى لندن للمرة 221b الأولى توجهت مباشرة إلى شارع بيكر حتى قبل أن أزور المتحف البريطاني أو المعرض الوطني أو متحف تيت المذهل للفن الحديث. مضيت إلى متحف شرلوك هولمز بحثا عن لندني الحقيقية لكن يبدو أنه من الصعب جدا مواجهة المكان الحقيقي أو الشخص الحقيقي الذي تبحث عنه بعد سنوات من رسم صورته في مخيلتك. ما وجدته هناك كان مجرد موقع مصطنع ضئيل، يدار من قبل جهة خاصة، مع قسم شرطة صوري ينتصب خارج الباب الأمامي. يذكرني هذا بعبارة رائعة ترد في آخر جزء من رواية البحث عن الزمن المفقود تحفة الروائي مارسيل بروست يغير الزمن البشر لكنه يبقي على صورتهم ثابتة في عقولنا. لا شيء في العالم أشد إيلاما من هذا التناقض بين جمود الذاكرة والتغيير الذي يطال البشر. ربما كنت أتوقع أن أرى مزيدا من اللندنيين يقرعون الأرض بمظلاتهم أو يمشون بالأسلوب الذي اعتاد عليه هولمز، لكن لم أجد في العاصمة البريطانية اليوم ما يشبه لندن التي صورها لنا السير آرثر كونان دويل.
|