Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
الحياة السرية للتانغو 





الحياة السرية للتانغو

رقصة عالمية قديمة جاءت من أميركا الجنوبية لتجد لها أتباعا مخلصين في العاصمة اللبنانية بيروت، كما يقول هيو ماكلويد.

تصوير هيو ماكلويد

كان يوما عصيبا آخر. ففي شمالي لبنان كان رجال منهكون يركضون صارخين بين كتل الحجارة الإسمنتية لبيوت الفلسطينيين المهجورة، وهم يطلقون الرصاص ويندفعون بحثا عن ملجأ يقيهم شظايا المتفجرات. كان مشهدا بشعا. إنها مأساة شرق أوسطية أخرى ولدت من رحم السياسات السامة.

انتابني شعور من الراحة عندما خرجت من هذا سالما، على الأقل حتى الصباح، حيث عدت إلى بيروت وألفيت نفسي بين المحلات القديمة في شارع الحمرا، المركز العالمي المفعم بالحياة في قلب بيروت، أكثر عواصم المنطقة نشاطا وحيوية، والتي عانت طويلا من حماقات السياسة.

القلاقل الأمنية في البلاد تعني أن معظم المطاعم مغلقة، لكن كان هناك مكان أعرف بأنه مفتوح، وكان دائما كذلك مذ عرفته. بيت قديم بسيط حيث الأنوار خافتة والأرض مكسوة بالبلاط على الطريقة التقليدية، أما قائمة الطعام فتحتوي ما قررت مدام وردة ان تحضره في تلك الليلة.

لم أكن أتوقع وجود الكثيرين في المطعم، فمعظم اللبنانيين، الذين جعلتهم ظروف البلاد غير المستقرة خبراء محنكين في التعامل مع أوقات الشدة، يتعاملون مع الأزمة الحالية بصبر ويفلحون في التغلب عليها، إما بالمكوث في البيوت أو بالسفر إلى الخارج. رغم ذلك لم أكد أطلب طعامي حتى فتح الباب ودخل حشد من الشبان والشابات يضحكون ويدردشون. بقربي فتحت إحدى النساء حقيبة صغيرة كشفت عن زوج من أحذية بشريط طويل وكعب عال، ثم سألتني كيف كان يومي، قبل ان تقول لي ”انس أمر القتال، فنحن هنا كي نرقص!“.

ما كادت تنهي جملتها حتى اندفعت المجموعة إلى ساحة الرقص، وملأت موسيقى آستور بيازولا (عازف ومؤلف وقائد فرقة موسيقية دمج الجاز مع الموسيقى الكلاسيكية في أعماله) الغرفة بألحان التانغو الذي يمكن تمييزه على الفور مع الضربات القصيرة والزفرات الطويلة من آلة الباندونيون (الأوكورديون الأرجنتيني) وبالنغمات الخافتة المتدفقة واللطيفة لآلة الكونترباص والطبقات العليا المحلقة التي تصدر عن آلات الكمان. شرع شاب وفتاة يرقصان بإنسيابية حول الحلبة الضيقة والحميمة، تماما كما كان يفعل راقصو التانغو الأوائل في الاحياء الفقيرة في بوينس آيرس.

ولدت رقصة التانغو الأرجنتينية ذات النزعة المحافظة على الصعيد الاجتماعي وصاحبة النزعة الليبرالية على الصعيد الفردي من رحم مجتمع عند نقاط التقاء العالم القديم بالعالم الحديث، عندما احتكت الثقافة المحلية الغنية بتأثير أوروبا الدخيل، وحيث تفاعل المهاجرون مع سكان البلاد الأصليين، لتجد صدى حقيقيا - بعد مئة عام- في لبنان وبين اللبنانيين.

قبل ذلك بثلاث ساعات كنت حيث القنابل والرصاص، وحيث الأمهات الجزعات القلقات يحتمين بغرف المدارس، واللواتي لا يملكن ما يقمن به أود أطفالهن المغبرين المشعثي الشعر. أما الآن فأنا في مطعم ”وليمة وردة“ وهو قلب التانغو في بيروت، أشاهد الشبان والشابات المتألقين حيوية يمضون الليل بالرقص غائبين عن مشاكل الدنيا وغارقين في صحبة خلية مرحة. كان هذا عالما مختلفا بكل ما للكلمة من معنى.

بعد عام ونصف تقريبا من سهرة التانغو تلك، وبينما كنا نتناول افطارا لذيذا في صباح احد ايام الاحد، سألني احدهم ”كيف كان الطعام؟“ كان الصوت قويا. نظرنا عبر المائدة لنرى رجلا طويلا في منتصف العمر يلوح فوقنا. ”أعرفك.“ قال، ثم أردف بنبرة حملت في طياتها شيئنا من التواطؤ المرح ”من التانغو“. كانت زوجتي قد عادت لتوها إلى بيروت، وكنا قد حضرنا سوية دروسا في التانغو في ”حنين“ وهو مطعم قديم آخر يقع قبالة الطريق السريع إلى الشمال من بيروت.

مساء كل ثلاثاء كنا نشق طريقنا لندور حول مساحة الرقص المقسمة إلى مربعات سوداء وبيضاء، نرقص وندور ونهز أجسادنا. وكنا بين الحين والآخر نندفع إلى المربع الكبير بأذرع عالية وسيقاننا تتحرك بخفة،كما كنا نشاهد راقصي التانغو يرقصون في التلفاز (علمنا لاحقا أن ليس هذا ما يقومون به في ”الميلونغا“ أو لقاء الرقص في الأرجنتين. وكلمة Milonga في الأصل اسم أغنية ظهرت من أحياء بوينس آيرس الفقيرة. لكنها أصبحت تعني أيضا لقاء الرقص).

لم نتعرف على الرجل في البداية، لكن نديم سماحة وهو اسمه، تذكر الزوجين الأوروبيين الغريبين اللذين كانا يرقصان بطريقة خاطئة حول حلبة الرقص. ”رفضت أن أرقص في البداية واكتفيت بمراقبة ميرا من خارج الحلبة“، قال نديم مشيرا إلى زوجته وهو يجلس. ”لكن وفي رحلة قمت بها إلى الأرجنتين عشقت هذا النوع من الموسيقى، وبدأت أستمع إليه باستمرار سواء في البيت أو في السيارة. ومذ بدأنا نتعلم التانغو خسرنا جميع أصدقائنا القدامى“، قالها بهزة من كتفيه دلت على رضى عميق. ”لكننا تعرفنا إلى حلقة كاملة من أصدقاء جدد“.

جلسنا معا واستمعنا، كانت نصف ساعة رائعة، روى خلالها نديم حكاياته عن التانغو. وصلت فناجين القهوة التي قدمت الينا ضيافة وترحيبا، واتضح أن نديم يملك المطعم والمبنى أيضا. ذلك كان أول امتياز من بين امتيازات أخرى عديدة وبسيطة حصلنا عليها نتيجة شغفنا بالتانغو. أن ينضم المرء إلى حلقة تانغو فذلك يشبه كون المرء ماسونيا، حيث إيماءات المعارف في الشارع، واللقاءات في أمسيات خاصة من الأسبوع، وشبكة من العلاقات الاجتماعية التي تعقد تحت عبارة ”حسن، إنهم يرقصون التانغو“.

أرادت ميرا زوجة نديم أن تعود إلى بوينس آيرس لترقص مع زوجها في المدينة حيث رقص جداها بعد موجة الهجرة الكبيرة التي قام بها المسيحيون اللبنانيون إلى أمريكا الجنوبية والتي بدأت في العشرينيات من القرن المنصرم. وقف نديم وقال ”علي أن أبيع مزيدا من وجبات الإفطار قبل أن أتمكن من دفع ثمن تذاكر الرحلة بالطائرة“. ووضع يده بقوة على كتفي. ”إذن سنراك في لقاء الرقص الثلاثاء القادم“. لم تكن تلك دعوة. بل كانت أمرا. فالعراب هو الذي يتحدث.

وهكذا انضممنا إلى قبيلة التانغو اللبنانية، وهي مجموعة منوعة وغريبة وأحيانا نكدة ومشاكسة من الرجال والنساء الذين يشتركون بولائهم الشديد لرقص التانغو وموسيقاه، ولإرث مباني بيروت القديمة التي تستضيف لقاءاتهم الأسبوعية. سرعان ما علمنا أن التانغو بالنسبة للبنانيين ليس هواية فحسب وهو أكثر من مجرد رقص. فهو تعبير عن مشاعر وقالت ميرا سماحة ”نحن أناس عاطفيون لذا فالتانغو رقصة تناسبنا“، وأردفت في استراحة من حلبة الرقص ”إنه يناسب مزاجنا. فنحن شرق أوسطيون، وعانينا الكثير. وهذا المزيج من الفرح والمعاناة يناسب شخصيتنا وثقافتنا على نحو كامل“.

كان الشعور طاغيا عندما احتضنت بيروت في أبريل الماضي أول مهرجان دولي للتانغو، وجاءت إلى لبنان بأشهر الراقصين والراقصات من خمسة عشر بلدا من بلدان العالم، معظمهم يزور لبنان للمرة الأولى. لأيام أربعة تلقى حضور المهرجان ومن جميع المستويات دروسا من خبراء التانغو في الأمكنة الجميلة التي تحيط بالجامعة الأمريكية في بيروت حيث ما تزال الأشجار الباسقة تنمو وحيث ما تزال المباني التي شيدت بالحجر الرملي على الطراز العثماني تشع بسقوفها الآجرية الحمراء كما كانت تفعل عبر المدينة بأكملها منذ مئة عام.

في كل مساء كان الراقصون والراقصات يتجمعون من أجل لقاءات الرقص في مطعم ديرواندي الذي يواجه البحر، يرقصون حول نافورة بينما ترتطم الأمواج برفق على جدران الفيلا العثمانية المجددة. وبما أن جميع الطاولات امتلأت، افترشت صفوف من الشبان والشابات اللبنانيين الأرض وهم يحدقون بذهول بينما كان الراقصون المحترفون العالميون يتحركون بخفة وقوة على حلبة الرقص. كادت النساء أن تحلق في السماء، أما الرجال فكانوا يمشون بخطى واسعة وثابتة. وعندما يهدأ صوت الموسيقى يسود صمت مطبق. وعندما كان الكمان يعلن نهاية الرقصة كانت الحشود تندفع في صفير وصيحات استحسان. ومن الكورنيش في الخارج كانت العائلات التي تتنزه هناك تحدق من النوافذ.

أما المايسترو روجيه حلو، وهو مقيم في بوينس آيرس لكن جذور عائلته تعود إلى لبنان، فقد قاد على آلة البيانو أوركسترا ”سيلينسيو“ وهي فرقة التانغو التابعة له، ليعزف في بيروت للمرة الأولى في حياته المهنية.

”بدا الأمر مثل حلم“، قال مازن كيوان منظم المهرجان وهو راقص تانغو محترف غادر لبنان إلى باريس منذ خمسة عشر عاما لكنه كان دائم التوق للعودة لكي ”يضع لبنان على خارطة التانغو“.

”في الغالب لا يصدق الناس بأن هناك تانغو في لبنان. فهم يعتقدون أن هذا المكان مجرد صحراء، أو أنهم لا يسمعون سوى أنباء القتال والنزاعات. بإمكان الناس الآن أن يعودوا إلى بلادهم وينشروا الرسالة التي تقول إن بيروت لم تعد مكانا للحروب، بل عادت المدينة التي نحلم بها. مدينة للسلام والثقافة”.

تقوم شركة ”سكاي بوت“ السينمائية حاليا بتصوير فيلم وثائقي عن المشهد المتعلق برقص وموسيقى التانغو في لبنان.

  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة