Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
من أجل تأليف الكتاب 





الإبل الشاردة، والطرق التي محيت معالمها، والسيارات التي تغرز في الرمال… قد تعتبر بالنسبة للكثيرين من كوارث السفر، ولكنا مادة أولية عظيمة لكتابة أدلة السفر، برأي فرانسيس لينزي غوردن

إنه الرابع عشر من ديسمبر. ما نزال مكاننا. ولا يبدو هناك أثر لصديقنا ديف، ولا أية بارقة على ظهور المروحيات المنتظرة. لقد فتحنا للتو آخر كيس أرز لدينا، وحرص ريتشارد على تقسيمه بيننا بالتساوي. أما جون، الذي كان أكثر من في المعسكر تفاؤلا في السابق، فهو الآن أكثرنا تكدرا وتشاؤما، وما فتئ يردد ”إننا جميعا سنموت. جميعنا سنموت“.

قبل شهر من ذلك، حطت طائرتي في أديس أبابا، عاصمة إثيوبيا. جئت إلى هنا دليل سفر عن البلاد لحساب دار النشر ”لونلي بلانيت“ الرائدة في هذا المجال. وبينما كنت اخطو فوق الطريق الإسفلتية، وآخذ أول أنفاسي من الهواء المنعش في إثيوبيا، احسست بشيء من عدم الارتياح. فهذه زيارتي الأولى للبلد، ومعرفتي به قليلة وهي محدوة بالأوصاف الحماسية التي نقلها لي والداي بعد أن قضيا هنا إجازة سابقة مرتبة عبر إحدى وكالات السفر خلال عهد الرئيس منغستو، واستمتعا بها كثيرا. تقتضي مهمتي أن أصبح خبيرة بإثيوبيا خلال نحو 12 أسبوعا فقط، وان أعرف كل شيء، وأذهب إلى كل مكان، وأجرب وأشاهد كل ما فيها.

في ذلك الوقت، كانت شركة لتنظيم أسفار المغامرات، مقرها في موطني بريطانيا، اقنعتني بأن أفضل وسيلة لزيارة منطقة جنوب غرب إثيوبيا - والتي تعد ”واحدة من أكثر المناطق النائية في القارة الإفريقية غرابة وصعوبة في الاختراق“ - هي أن أسلك النهر، مع إحدى رحلاتهم المنظمة فوق القوارب التي تمخر عباب المياه. بدأ كل شيء بشكل حسن. خيمنا في كل ليلة إلى جانب نهر أومو المليء بأفراس النهر، وتابعنا أسراب الطيور الجميلة، والتقينا شعوب وادي أومو الأدنى العريقين في المنطقة، والذين ما يزالون يشنون الحروب ضد بعضهم البعض. ولكن في اليوم الأخير من رحلتنا النهرية، وبعدما ارتدينا آخر ما لدينا من الملابس النظيفة، وكنا ننتظر قدوم وسيلة مواصلات لتنقلنا إلى المطار المحلي، ذاع نبأ تساقط أمطار جارفة محت معالم كل الطرق البدائية في المنطقة. كانت وسيلتنا الوحيدة للعودة هي المروحيات. وقال لنا ديف، أحد مرشدي النهر الأستراليين، وقد انطلق يسير مع أحد رجال القبائل المحلية إلى أقرب محطة اتصال ”لا تقلقوا يا جماعة. سنخرج من هنا قريبا! إن هي إلا يومين، أو ثلاثة على الأكثر، لا داعي للقلق!“ ولكنه لم يعد إلينا على الإطلاق.

وبعد أن قضينا عدة أيام ونحن نراقب السماء طوال الوقت في انتظار ظهور طائرة، ومؤونتنا من الطعام تشارف على الانتهاء، عدنا مكرهين إلى القارب. انحدرنا مع التيار، ونحن نتبادل التجديف ليلا ونهارا، حتى وصلنا أخيرا إلى محمية خاصة للحيوانات البرية مجهزة بمهبط للطائرات. تقدم إلينا المشرف عن المكان عندما برزنا امامه فجأة من وسط الغابة، وسألنا ”هل لديكم حجزوات عندنا؟“. وبعد أيام قليلة، أعادتنا طائرة عسكرية إلى أديس أبابا.

السفر بطبيعته محفوف بالمخاطر ومليء بالمفاجآت. فهناك ساعات انتظار الرحلات المتأخرة عن مواعيدها، والامتعة المفقودة، اضافة طبعا الى ما يمكن ان يحدث في الحجوزات من أخطاء ومشاكل. ولكن، بصفتي كاتبة أدلة سفر متخصصة، فالتجارب الغريبة وغير المتوقعة هي ما أسعى إليه، حيث يمثل كل جديد و“ما لم يتم اكتشافه بعد“ الموضوع الأكثر أهمية في عالم كتابة أدلة السفر، حيث التنافسية الشديدة. يصل الكاتب لأعلى مستويات السعادة عندما تتاح له الكتابة عن مكان أو تجربة لم يكتب عنها احد من قبل. وسعيا وراء هذا النوع من الاكتشافات، مثل شاطئ منعزل غير معروف، أو مطعم جيد منزو في أحد الشوارع الجانبية، أو مجرد فندق جديد، يمكن ان يتعرض كاتب أدلة السفر للمخاطر، او على الاقل يرمي نفسه، وبرضى تام الى، المجهول.

أحيانا، تكلل جهود الكاتب بالنجاح، وأحيانا لا. ففي جنوب إريتريا مثلا، أردت الوصول إلى دير قديم سمعت عنه، ولكني لم أجد أية كتابات بشأنه. وبعد أن درست خريطة المنطقة، قدرت أن ساعات السفر على الطرق العادية يمكن اختصارها إذا قطعت المسافة عبر البلاد بالعرض وعلى ظهر الإبل. ”اربع ساعات“ أكد لي سائس إبل محلي انها المدة التي ستستغرقها تلك الرحلة. ولكن، لم يمض وقت . طويل على بدء مسيرتنا حتى ضل صاحبنا الطريق، وشردت الإبل في البرية قضينا يوما كاملا في تعقبها وجمعها، وانتهت الرحلة بعد 26 ساعة. اما الدير؟ فكل ما استطعت ان افعله بشأنه كان اشارة مختصرة جدا ضمنتها في كتابي.

ركوب الإبل أصبح منذ ذلك الحين إحدى مواهبي الاضافية التي يمكنني ان ازيدها الى المهارات الشخصية الموجودة ضمن سيرتي المهنية، واضفت اليها ايضا المعرفة بالغطس (وهي مهارة ضرورية للتمكن من مشاهدة عجائب ما تحت المياه في البحر الأحمر بشكل شخصي ومباشر)، فضلا عن بعض المهارات الأخرى التي يصعب تصنيفها، مثل تسلق الصخور (الطريقة الوحيدة للوصول الى بعض الكنائس في اثيوبيا) والقدرة على إخراج سيارة من طراز فيات باندا عالقة في رمال الصحراء، ومعرفة الطريقة المثلى لغسل زوجين من السراويل باستخدام كوب ماء واحد. في بعض الحالات، يكون مجرد الدخول إلى البلاد يتطلب دكتوراه في الصبر والمثابرة. ففي العام الماضي، حاولت أن أصبح أول رحالة مستقلة تزور المملكة العربية السعودية بمفردها. ”لا فرصة أمامك“، هكذا قالت لي موظفة السفارة عندما سألتها إن كانت تعتقد أنني سأحصل على التأشيرة اللازمة. كنت مصرة وأصبحت من المراجعين الدائمين للسفارة السعودية، إلى درجة أن حراسها بدأوا يحيوني مازحين بصفة: ”السكرتيرة الأولى“. كما أرسلت أكواما من الرسائل الورقية، وعشرات من رسائل البريد الإلكتروني، وأجريت عددا لا يحصى من المكالمات الهاتفية. وفي النهاية، انفرج الأمر بالوصول إلى ”الواسطة“ المناسبة، وكانت هذه أول كلمة عربية أتعلمها، كما أدركت سريعا أنها أهم وسيلة لكل من يحاول كتابة دليل سفر عن هذا البلد. فبمكالمة واحدة مع أحد معارف عائلتي من رجال الأعمال السعوديين ذوي العلاقات القوية، جاءني رد السفارة ”يسعدنا أن نبلغك، آنسة فرانسيس، أن تأشيرتك قد صدرت“.

وعلى الرغم من دخولي أراضي المملكة العربية السعودية أخيرا، إلا أنه لم يكن مسموحا لي قيادة السيارة، ولم أتمكن من الإقامة بمفردي في معظم الفنادق، ولم يسمح لي رسميا بالسفر ضمن اراضي المملكة إلا بصحبة زوجي أو أخي. وقضيت معظم وقتي في استخراج التصاريح والأذون اللازمة للتنقل والإقامة. وفي إحدى المرات، كنت مضطرة لملء استمارة للحصول على بطانية إضافية في الفندق. ولكن بعد تخطي الحواجز البيروقراطية ودخول البلاد، فان السعودية تكشفت عن بلد رائع ويستطيع منح الكثير، ومليء بما يستحق الاكتشاف، وخصوصا فرص الغوص الفاتنة التي تتيحها شواطئ البلاد الطويلة الممتدة على البحر الاحمر، اما مدائن صالح في شمال البلاد والتي تعتبر بترا السعودية، فهي من اجمل المناطق القديمة التي زرتها في حياتي، حيث توجد قبور هائلة مبنية من صخور بلون العسل ومتوضعة لافتة في الصحراء، اما ندرة الزوار اليها فقد زادت من اهمية ارسال كتاب الادلة السياحية او سفراء الاستطلاع اليها، وهذا رائع بالنسبة لي.

قضية وجوب السفر برفقة المحرم حلت بطريقة عرضية بفضل سائقي حاتم. ومع عباءة سوداء تغطيني من رأسي حتى قدمي، وحجاب رقيق اسدله على وجهي، فان معظم الناس كانوا يجزمون اننا متزوجان، كان الامر كالتنكر. وهكذا كان بامكاننا ان نتجول بدون التعرض لازعاجات، ومثل بقية الازواج، يمكننا ان نذهب الى السوق، او نجلس على بساط واحد في نزهة خلوية مقابل البحر، وعبر غطاء الوجه الشفاف كان بامكاني ان ارى الاخرين دون ان يروني، ان افهم دون ان يفهموني، وان اتفحص رجال قبائل نجران الملفتين للنظر دون ان اخشى تفحصا معاكسا من قبلهم لي.

ووجدت ان هذه الملابس تقيني الشمس وتحميني من الغبار، بل وتخفي اثار التعب على وجهي جراء الكتابة حتى وقت متأخر من الليل او القيادة ل 15 ساعة متواصلة، كما تخفي شعري غير المسرح ومكياجي غير المعتنى به، وقميصي غير المكوي. في الواقع عندما عدت فيما بعد الى لندن فان الظهور بمظهر انثوي وعصري شكل بالنسبة لي ضغطا غير مرحب به.

ومن الغرابة بمكان، ان الزي الذي يعتبر الاكثر بساطة وتحفظا في السعودية ترافق بالنسبو لي مع الشعور بالحرية ، وليس هذا في المملكة العربية السعودية فحسب، فعندما كنت في اليمن حرص المسؤولون هناك على توفير مرافقين لي من رجال الشرطة في شكل متواصل بحيث تكون كافة تحركاتي تحت انظارهم، فتفحصت المواقع السياحية هناك تحت انوار سيارات الشرطة، وبرفقة صافرات انذارها احيانا. وهكذا فقدت حالة ان تكون مجهولا في بلد غريب، والتي نحتاجها نحن الذين نؤلف كتب الاسفار. وهكذا الى ان قمت في احدى الليالي بارسال سائقي حسين u t لشراء عباية لي من السوق. وفي الصباح التالي، وقبل بزوغ الفجر، تسللنا خارج المدينة بعد أن تنكرنا كزوجين من أهل المنطقة. وكان هذا القرار لمصلحة كتابي بدون ادنى شك.

في الحقيقة ورغم كل ما سردته سابقا، فخلال السنوات العشر الاخيرة او اكثر منذ ان بدأت العمل ككاتبة اسفار مختصة، وبعد ان زرت وامضيت بعض الوقت في نحو مئة بلد مختلف، فقد وصلت الى نتيجة مفادها: ما من مكان في العالم لا تستطيع المرأة الوصول اليه. في الواقع، اعتقد ان كوني امرأة يمنحني نقاطا ايجابية اكثر من الرجل اثناء السفر، فقد كانت هناك مرات لا تحصى منحت فيها تأشيرة دخول، او حصلت على مقابلات وتصريحات، في حين ان زملائي الرجال لم يتمكنوا من الحصول عليها.












  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة