Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
العراقة على طبق 










عندما يرى البعض أن المأكولات الشرق أوسطية تتجسد في المطبخ اللبناني بشكل رئيسي، فإن هذا يعني برأي مؤلفة كتب الطبخ سارة الحمد تجاهل تراث عريق من فن الطهي في منطقة الخليج . أندرو هامفريز يغوص في أطايب الأطعمة الخليجية

في طريقي لمقابلة سارة الحمد، توقفت عند مطعم صغير مزدحم لتناول وجبة غداء خفيفة. وحيث إني كنت في منطقة بيزووتر، قلب لندن العربية، فقد وجدت نافذة المعروضات هناك زاخرة بتلال من الفلافل، وأكوام من التبولة، والكثير من الحمص والباباغنوج، وغير ذلك من الأطعمة الأساسية الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، غير أن أيا من هذه المأكولات لم يجد طريقه إلى كتاب “كارداموم اند لايم” الصادر بالإنجليزية الهال والليمون الأخضر هذا الشهر، وهو كتاب جديد عن أحد المطابخ العربية، بقلم سارة الحمد. ويعود السبب في ذلك إلى أن الكتاب يركز حصريا على المطبخ في الخليج، وليس على المطبخ الأشهر لمنطقة شرق المتوسط.

قالت سارة عندما التقينا يظن الجميع أن المطبخ الشرق أوسطي هو مطبخ المنطقة العربية كلها. ولكن الأمر ليس كذلك. فالمطبخ الشرق أوسطي يشير حسب المفاهيم الآن إلى بلاد الشام، أما الخليج فمنطقة ثقافية مختلفة كثيرا. هذا الاختلاف الثقافي يظهر بوضوح في عائلة سارة نفسها. فقد كان كل من والدها وجدها تاجرين، يعملان بين موطنهم الكويت وبين الهند. تقول عاش والدي في الهند نحو 15 عاما خلال خمسينيات القرن الماضي، وكان يشتري ويبيع التمور والتوابل، وغيرها وهذه الواردات الهندية، كما تقول سارة، هي التي ميزت المطبخ. الخليجي، مضيفة فالتوابل التي نستخدمها تأتي من الهند وفارس، ونحن، مثلهم، نستخدم الكثير من الأرز. أطباقنا تأخذ من الشرق أكثر مما تأخذ من الغرب.

ولعل أوضح مثال على هذا، طبق المكبوس يطلق عليه الكبسة في السعودية، والذي تعتبره سارة أهم الأطباق التقليدية بين الأطباق الخليجية. وهو يتكون من لحم الضأن المتبل، والأرز، وصلصة البندورة، وغالبا ما يقدم إلى جانبه اللبن، ليمثل وجبة الغداء الأساسية في أيام الجمع. وبينما تتوافر الكبسة بأكثر من شكل وصورة، حيث يمكن إعدادها بلحم الدجاج أو البط أو الربيان أو أنواع عديدة من الأسماك، فإنها في كل الحالات، مستوحاة وبوضوح من البرياني الهندي. وترتبط ألذ ذكريات المأكولات لدى سارة إلى حد بعيد بالرحلات والأسفار. وتقول أتذكر صناديق المانغو من نوع ألفونسو والتي تأتي كل عام في الوقت ذاته تقريبا، ناضجة وشهية، حيث كان يرسلها أحد أصدقاء والدي من الهند، كما أتذكر أكياس الفستق الحلبي من إيران، والعسل من اليمن، والبسكويت الرائع المغطى بالسمسم من دمشق البرازق، والتمور من المملكة العربية السعودية.

يضم عنوان الكتاب مكونين أساسيين في المطبخ الخليجي، كما تقول فالهال نستخدمه في كل الأطباق تقريبا، في الأطعمة الحلوة والمالحة والغنية بالتوابل، على السواء. وهو يأتي من الهند، ويستخدم بسخاء لإضفاء نكهات ورائحة طيبة. أما الليمون الأخضر فهو عبارة عن ثمار ليمون صغيرة مجففة، فتصبح سوداء اللون، وتأتي في الواقع من سلطنة عمان. ونستخدمها في صنع أنواع الحساء، حيث تعطي طعما حامضا محببا، كما نصنع منها الشاي.

وهناك مكون أساسي آخر، لم يذكر في عنوان الكتاب، ولكنه يظهر في العديد من وصفات الطعام، هو التمر. وتعترف سارة بضعفها تجاه هذا اللون العظيم من الفاكهة، وهو بالفعل يحتل مكانا بارزا في أطباق مختلفة، مثل الدجاج المحشو بالتمر والمكسرات، والأرز المحلى بالتمر، وحلوى التمر، والتمور المحشوة بصلصة الزبدة. وهي تعتقد بوجهة نظرها والدها أنه يمكن للإنسان أن يعيش على التمر واللبن فقط.

نشأت سارة الحمد في الكويت، وتخرجت من جامعة في كاليفورنيا، وهي تعيش الآن في المملكة المتحدة. وكان إقبالها على وضع كتاب للطهي نابعا من عقلها أكثر من معدتها. فبينما كانت تدرس في معهد الدراسات الشرقية والإفريقية البارز في لندن للحصول على درجة الماجستير، بدأت في العمل لدى دار الساقي للنشر، وهي دار صغيرة أسسها في المملكة المتحدة مغتربون لبنانيون عام 1984 بهدف ردم الهوة بين الثقافتين العربية والغربية. تقول أحب الكتب، خاصة تلك التي تتحدث عن الثقافات، ويعتبر الطعام وسيلة عالمية مهمة للاطلاع على الحضارات. وبفضل حرصها على الشروع في الكتابة سريعا، اكتشفت فجوة سرعان ما بادرت إلى ملئها: فبالرغم من وجود كتب بالعربية عن المطبخ الخليجي، إلا أنه لا يتوافر أي كتاب عن هذا الموضوع بالإنجليزية.

وبدأت أبحاثها من مطبخ عمتها في الكويت. تقول تطهو عمتي في بيتها منذ نحو 50 عاما. وكان والدي قد اعتاد عقد مجلس رجال أسبوعي، أو ما يسمى بالديوانية، فكانت تحضر الطعام وترسله لهم دائما. وكان عبارة عن أطباق بسيطة مثل تشاب البطاطا حبات بطاطا بنغالية مع الشاي. ومن مطبخ العمة انتشر خبر مشروع كتاب سارة، وسرعان ما بدأ مختلف أفراد العائلة والأصدقاء في تقديم وصفاتهم الخاصة، وبدأت الطاهيات يقدمن ما لديهن، واحدة إثر أخرى. تقول بدأ الجميع بتقديم وصفات أطباقهم المفضلة. وكانت كل الوصفات منزلية، وقد حصلت عليها من أولئك الذين يستخدمونها في حياتهم اليومية. فهي ما تزال غير موثقة، لأن أحدا لم يكتب عن مثل هذه الأشياء سابقا.

تمتاز منطقة الخليج، والعالم العربي عموما، بالكرم، والذي يتجاوز تقديم الوصفات إلى إهداء الأطباق أيضا. وفي مقدمة كتابها الهال والليمون الأخضر، كتبت سارة باستفاضة عن الدور الاجتماعي المهم الذي يلعبه الطعام، وهي فكرة استفاضت في شرحها خلال حديثنا. تقول إذا صنعت طعاما، فدائما يجب عليك أن تحضر ما يكفي لإهداء جيرانك بعضا منه أيضا. وكثيرا ما ترى الأطباق تنتقل في الشوارع، حيث يسير الناس بالصواني والصحون من منزل إلى آخر. فالطعام يلعب دورا كبيرا في الحفاظ على علاقات الود والألفة بين الناس.

وقد ساعد سارة في توثيق علاقتها بالطهاة وأصحاب الوصفات في المنطقة استخدام الكاميرا الرقمية. تقول أردت أن أصنع شيئا بهيجا ومبدعا، لذا اشتريت كاميرا وأخذت دورة في التصوير الفوتوغرافي الرقمي. وعندما شرعت في البحث، التقطت بنفسي صور كل المواقع والأطباق. لقد كانت هذه وسيلة للتواصل مع الناس وكسر الحواجز بيني وبينهم. وساهمت فعلا في بث الحياة في هذا المشروع.

وبما أن كتاب الهال والليمون الأخضر يقوم على وصفات المطبخ الخليجي، فيمكن اعتباره وثيقة لمرحلة زمنية فاصلة تمر فيها منطقة الخليج بتغيرات هائلة، تشمل عادات تناول الطعام، وتقول سارة لهذا السبب، فكرت في أهمية كتابة مثل هذه الوصفات الآن. وفي الوقت ذاته، فإن الكاتبة حريصة على نفي أية انطباعات قد تنشأ لدى الآخرين بأنها تضع عملا شاملا، وتؤكد هذه الوصفات بكل بساطة هي تلك الوصفات التي صادفتها. او نماذج منها فقط. وهناك المئات من الوصفات الأخرى التي تختلف عما قدمته في كتابي. فكل شخص يصنع الطعام بطريقة خاصة مميزة، ولكن كتابي يتحدث عن وصفات الأطباق الأساسية، والمكونات الرئيسية المستخدمة فيه.




  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة