|
بعد أن أصبح المغامر البحريني عدنان القصاب أحد أوائل العرب الذين وصلوا الى القطب الجنوبي، ها هو يعقد العزم العزم على قهر قمة إفرست. وهو هنا يكشف لمراسلتنا جوليا ستيوارت عن تفاصيل رحلته
عندما أعلن عدنان القصاب عزمه تسلق قمة جبل إفرست، دون أن تكون لديه أي خبرة سابقة في تسلق الجبال، حسب الكثيرون أن مسا من الجنون قد أصابه. أما من ظل على ثقة برجاحة عقله، فلا ريب في أنه قد بدل رأيه أخيرا ما إن باشر صاحبنا البحريني ببرنامجه التدريبي الخارج عن المألوف. فبينما يباشر المتسلقون العاديون صقل مهاراتهم من خلال تسلق جبال صغيرة أولا، قبل الانتقال إلى أعلى قمة في العالم، كان عدنان منهمكا بتسلق سلالم أحد الأبراج، والوقوف داخل الثلاجات. بدأ حلم عدنان بخوض هذه المغامرة البطولية في أعقاب رحلته إلى الأنتراتيكا في القطب الجنوبي عام 2003 ، متأملا ان يصبح أول بحريني يتسلق قمة جبل إفرست. وكان عدنان تولى تنظيم بعثة الأنتراتيكا بناء على طلب فريق القطب الجنوبي البحريني، وهي مجموعة من الرجال ظلوا، لسبع سنوات متواصلة، يطمحون إلى أن يكونوا أول من يسجل في هذا الإطار، يقول عدنان البالغ من .« قاع العالم » وصول العرب إلى إنهم أناس عاديون مثلنا ومثلكم، لكن طموحهم هو » العمر 47 عاما اكتشاف حضارات الشعوب الأخرى. لقد أرادوا أن يمدوا جسورا بين البحرين والعالم. وكانت الفكرة الإثبات للعالم كله أن البحرينيين قادرون أيضا على الوصول إلى أماكن بعيدة مثل القطب الجنوبي. ذاع صيت عدنان القصاب في المملكة لتنظيمه مناسبات رياضية عديدة (وقد سجل رقما قياسيا في البحرين حين ركض في سباقي ماراثون خلال يوم واحد، مجتازا 85 كم في سبع ساعات و 21 دقيقة). وهكذا، استطاع عدنان تأمين التمويل اللازم لبعثة الأنتراتيكا، وأشرف على انطلاق الفريق نحو وجهته بعد سبعة أشهر كاملة من التحضيرات. في بداية الأمر، سافر الرجال الخمسة على متن الطائرة إلى الأرجنتين، وما لبثوا أن استقلوا سفينة روسية إلى القطب الجنوبي. ومع أن الرحلة بالسفينة استغرقت يوما واحدا تقريبا، إلا أنهم تمتعوا برؤية طيور البطريق، وأسود البحر، والطيور المختلفة على طول الطريق. هنا، تجدر الإشارة إلى أن عدنان قد حرص على تزامن الوصول إلى وجهتهم المنشودة مع عيد استقلال البحرين، في 16 ديسمبر. في ذلك اليوم، اتصل عدنان بإذاعة البحرين ليزف الخبر لم يصدقوني في بداية الأمر. » السعيد، ويستعيد ذكرى الاستقلال، ويقول قلت لهم يومها: نحن أول العرب الذين وصلوا إلى القطب الجنوبي. لقد دخلنا التاريخ اليوم! فأجابوني: عاود الاتصال بعد الأخبار.
استمرت جولة الفريق عشرة أيام، توغلوا أثناءها في مناطق مختلفة برفقة مرشديهم، على متن قوارب منفوخة. ولما كان عدنان قد عاش لفترة من الزمن في إنجلترا، حيث تدرب على الملاحة التجارية، فلم يكن الجليد بغريب عنه. في المقابل، أخذ زملاؤه يتأملون بدهشة ما كانوا لا يبصرونه سابقا إلا داخل ثلاجاتهم. ويضيف عدنان الذي للاتصالات « بتلكو » كان حينذاك مسؤول العلاقات العامة في شركة كنت خائفا، لا سيما وأنني أعلم أن حرارة المياه » السلكية واللاسلكية تنخفض إلى ما دون الصفر، وبالتالي إذا وقعنا فيها لن نصمد لأكثر من دقيقتين. وفوق ذلك كله، كنا نسمع صوت ارتطام السفينة بالجبال الجليدية بين الحين والآخر.
عند عودتهم الى البحرين، تلقى اعضاء الفريق التهنئة على إنجازهم من جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة شخصيا، ومن ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة. وسرعان ما نشر الفريق كتابا حول الرحلة، أدرجت فيه المعلومات التي جمعها اعضاؤه، فضلا عن الاتفاقات التي عقدوها مع البريطانيين والأرجنتينيين من أجل تشارك الأبحاث التي أجريت حول القطب الجنوبي. إثر ذلك، قرر عدنان، إلى جانب زميله المستكشف فرج القاسمي الذي يعمل في ديوان رئيس الوزراء، أن يتسلقا جبل إفرست، معتمدين على تجربتهما الناجحة في السفر إلى الأنتراتيكا، لا أكثر. بالفعل، تمكن الرجلان من العثور على الرعاية والتمويل المطلوب لتأمين مبلغ 17 ألف دولار لكل منهما، وهي التكلفة المطلوبة من كل منهما لتنفيذ المحاولة، ثم أنفقا فترة ثمانية أشهر في الإعداد للمغامرة. هنا، تجدر الإشارة إلى أن الكويتي زيد الرفاعي، وهو أول عربي يتسلق قمة إفرست عام 2003 ، كان قد تدرب على مهمته هذه بتسلق جبل كيليمنجارو في بادئ الأمر. أما هذان البحرينيان، فلا شك في أنهما الشخصان الوحيدان في التاريخ اللذان تدربا على تسلق القمة الأعلى في العالم بصعود درجات مبنى تجاري مؤلف من 44 طابقا، والمشي في الصحراء وعلى ظهريهما حقائب مليئة بالرمل، والوقوف لساعات داخل الثلاجات التجارية الكبيرة المخصصة للأطعمة. وهكذا، غادر الاثنان أرض البحرين في شهر مارس 2006 ليبدءا رحلة تستمر ستة أسابيع، مخالفين إرادة والدة عدنان التي سبق ان مرت بمأساة وفاة اثنين من أولادها. كانت المحطة التالية في رحلتهما هي النيبال، حيث أنفقا 14 يوما وهما يتعلمان كيف يستخدمان الخطافات والفأس، ويرتديان عدة التسلق، ويربطان نفسيهما بحبل الأمان. وعندما بلغا المعسكر الأساسي في التيبت أخيرا، وحيث يقع مركز الانطلاق شمالا، كانت الحرارة وقتها ثمانية عشرة درجة مئوية تحت الصفر.
باشر البحرينيان عملية التسلق بتأن، وذلك كي يمنحا جسديهما وقتا كافيا للتأقلم مع المناخ المحيط. وقد رافقهما في هذه الرحلة، مرشدين من شعب الشيرباس سكان التيبت، ومتسلق أسترالي، وآخر إسباني، وفرنسيان. ومع أن العديد من حالات الوفاة في جبل إفرست تنتج عن الإصابات البليغة جراء السقوط أو الإنهاك الشديد، إلا أن الكثير من المتسلقين يلقون حتفهم أيضا بسبب أمراض مرتبطة بالمرتفعات. ومن هذه الامراض، الاحتشاء الدماغي والاحتشاء الرئوي المرتبط بالمرتفعات، وهما شكلان من أشكال الأمراض التي قد تؤدي إلى تجمع السوائل في الدماغ أو الرئتين، ومما يؤدي في نهاية المطاف الى وفاة المتسلق.
درج البحرينيان على التسلق لثماني ساعات في اليوم، ومن ثم العودة إلى معسكر نقال يقام على طول الطريق للخلود إلى النوم. إذا لم تكن حذرا ومتعقلا فقد » يصف عدنان هذه التجربة، فيقول تصاب بالجنون في نهاية الأمر. كانت الحرارة المحيطة بنا تتدنى عن الصفر طوال أربع وعشرين ساعة في اليوم، ولمدة شهر ونصف، بينما نحن نرتدي ثلاث طبقات من الثياب لتقينا البرد القارس. كنا نعاني معاناة مريرة. ومع أننا نمنا في خيم بلاستيكية، إلا أن الأمر كان أشبه بالنوم في العراء. لم يكن باستطاعتنا الاستحمام إلا مرة في الأسبوع، وقد اضطررنا للاغتسال يوميا خشية من الالتهابات. بالإضافة إلى ذلك، أرغمنا أنفسنا على شرب أربعة أو خمسة لترات من المياه يوميا. أما الحمام، فكان عبارة عن حفرة في الأرض، نصبنا حولها خيمة. والطعام لم يكن ما تشتهيه أنفسنا، بل يقتصر على البسكويت، أو لحم العجل ، أو الدجاج، أو المعكرونة.
أكثر من 200 شخص لقوا حتفهم خلال محاولة تسلق جبل إفرست، منذ أن تمكن الإنسان من الوصول إلى قمته عام 1953 ، مع الإشارة إلى أن معظم الجثث لم يعثر عليها قط. ويذكر عدنان أنه ولمرتين، أفاق من النوم وقد ذاب الثلج تحته بفعل الحرارة التي ولدها جسمه من » ليلا، ليكتشف جثة مطمورة لأحد المتسلقين البائسين. ويردف الضروري ألا تسمح لمثل هذه الحوادث في التأثير على حالتك العقلية، بل عليك أن تكون إيجابيا % 100 . ولعل أسوأ ما في الأمر حينذاك أن الصيف كان على الأبواب، والثلج قد بدأ يذوب. ولذلك، شهدنا العديد من الانهيارات الثلجية المفاجئة. وبطبيعة الحال،كانت فرائصنا ترتعد خوفا.
في نهاية المطاف، وصل المتسلقان إلى ارتفاع 8500 متر، أي على بعد 348 مترا من القمة حيث تنخفض درجة الحرارة إلى 25 درجة مئوية ما دون الصفر. هناك، تعرف المواقع التي يزيد ارتفاعها عن ال 8000 متر حيث يصبح الأكسجين قليلا جدا ما يجعل ،« منطقة الموت » باسم أعضاء الجسم تتعطل الواحد تلو الآخر. بقي المتسلقان البحرينيان شعرنا وكأننا » مكانهما لعشرين دقيقة، وهناك، يتذكر عدنان قائلا نختنق، رغم أننا كنا نستعين بأسطوانات الأكسجين. كان جسدانا .« يتوسلان إلينا بالنزول والعودة أدراجنا، لأنهما بلغا طاقتهما القصوى وما لبث الرجلان أن انسحبا، وقد قررا أنهما يحتاجان إلى المزيد من الوقت للتأقلم مع الجو قبل القيام بمحاولة اخرى لبلوغ القمة. بعد ذلك، اتصل أحد أعضاء فريق الدعم الموجود في كاتماندو بشركة في البحرين ليسأل إن كان باستطاعة عدنان تمديد إجازته، « بتلكو » لو كان » لكن طلبه قوبل بالرفض. في هذا السياق، علق عدنان بالقول أمامنا متسع من الوقت، كعشرة أيام أو أسبوعين إضافيين، لكنا وصلنا إلى القمة. نعم، الأمر يحتاج إلى هذه المدة الطويلة، لأن الجسم بحاجة إلى التأقلم مع البيئة المحيطة، ونحن لم نقض فترة كافية فوق الجبل. وقد شعرت بالإحباط والخيبة لأن الباقي من المسافة لم يكن يزيد عن 300 متر. لكن، لم يكن بمقدوري أن أترك أسرتي التي وعلى الرغم .« يتوجب علي إعالتها وواجباتي المهنية أكثر من ذلك من ذلك، هبط عدنان الجبل يملؤه الشعور بالانتصار ويقول عن تلك بما أننا هواة، وهذه محاولتنا الأولى، فإنني أعتبر الأمر إنجازا » اللحظة عظيما بالنسبة للبحرين.
رغم ان المتسلقين استقبلا استقبال الأبطال في البلاد، وتلقيا الثناء من جلالة الملك شخصيا. غير أن الاقتراب من الوصول إلى القمة لم يكن ليرضي طموح عدنان، فقرر المحاولة من جديد في أبريل من العام المقبل في حال تلقى تمويلا كافيا. وقد أطلق عدنان إعلانا عبر وسائل الإعلام، يطلب انضمام امرأة بحرينية لتشاركه هذه المغامرة، أملا في تحقيق رقم قياسي جديد لبلاده، فلبت دعوته منظمة معارض في الرابعة والعشرين من عمرها، تدعى دارين السعد (جدير بالذكر أن لقب المسلمة الأولى التي قهرت جبل إفرست انتزعته امرأتان إيرانيتان عام « تشو أويو » 2005 ). وقد قرر البحرينيان، كجزء من تدريبهما، تسلق جبل في النيبال وارتفاعه 8200 متر، خلال أربعين يوما. وستقدم طيران الخليج لهما التذاكر مجانا لكلتا الرحلتين.
ويبدو عدنان على اقتناع تام بأنه سينجح في قهر قمة إفرست هذه أريد أن أظهر للعالم أن البحريني يتمتع بالذكاء، والمهارة، » المرة. فيقول والخبرة، والشجاعة اللازمة لمواجهة مثل هذه المخاطر. |
![]() ![]() ![]() |




