Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
الخلاء العجيب 





قضى مارتن بكلي عامين، وهو يطوف حول العالم متنقلاً من صحراء الى اخرى، وهنا يتحدث عن افتتان البشر بالمناطق الأكثر جفافا على سطح الأرض

اصطحب صديق لي ذات مرة بدويا من منطقة وسط الصحراء الكبرى إلى جبال الألب. و لفترة طويلة، ظل الرجل مشدوها ينظر إلى نهر ينساب، على مدار » فأجابه صديقي «؟ إلى متى سيستمر » وأخيرا التفت إليه وسأله .« حقا، إنكم أغنياء » سكت الرجل لبعض الوقت، وأخيرا قال .« العام في النيجر، سافرت ذات مرة مع البدو الذين كانوا يتتبعون مسيرة السحب، فيرتحلون بحيواناتهم من مكان تجميع المياه إلى المناطق العشبية الصغيرة التي تنبت اعشابها عقب أيام قليلة من تساقط المطر الخفيف، ثم تجف بعد ذلك بنفس السرعة. كما رأيت بالفعل سيلا مفاجئا، وهو يحول أحد الوديان في دقائق إلى فيض عارم من المياه، بعرض نهر النيل، وكانت الأشجار الكبيرة تنجرف مسرعة معه، كما لو كانت سيارات تجري في ساعة الذروة المرورية. وبينما كنت أكافح للبقاء على قيد الحياة حول بركان في المكسيك في المنطقة الجرداء ذاتها التي يستخدمها رواد الفلك الأمريكيون لاختبار معداتهم المخصصة للعمل على سطح القمر، تهت وعانيت من الجفاف الشديد.

وعندما عثرت على المعسكر، وحرصا على ألا أشرب الكثير من الماء بسرعة كبيرة، بسطت مناشف مبللة حول جسمي. كنت أشعر كما لو أن مسامير تحاول اختراق جلدي. وبعد ذلك بأسابيع، وفي وادي الموت بأمريكا، وجدتني في مكان امتلأت فيه حفرة طبيعية بحجم حوض استحمام منزلي، بالمياه بعد أن تساقط المطر على الجبال المحيطة بها من الاعلى. كان ذلك فيضا غزيرا من الماء وهو يمثل، بلا ادنى شك، حلما بالنسبة لأهل الصحراء.

كانت فكرة السفر حول العالم عبر الصحراء خطرت ببالي وأنا في حوض الاستحمام. أنا أعشق المياه، ولكن منذ رحلة قمت بها وانا طفل إلى صحراء الأردن، استهوتني تلك المناظر الملحمية، الجافة بالتعريف. وبينما كنت مستمتعا بالمياه الدافئة ذات ليلة، أقلب صفحات أطلس قديم، رأيت خريطة توضح بجلاء خطين أصفرين يشيران إلى الصحراء الواقعة شمال وجنوب خط الاستواء. ورأيت أنه باستثناء الانقطاعات الضرورية عبر المحيطات يكاد يمكن للمرء الدوران حول الأرض دون مغادرة الصحراء. وكان هذا بمثابة إلهام أو حلم بالنسبة لي وانطلقت لتحقيقه. تفتق ذهني عن خطة باهرة، وذلك باجتياز كل صحراء أثناء موسم الشتاء فيها.

أنطلق في الخريف، وعندما يأتي الربيع، أطير إلى النصف الآخر للكرة، حيث يكون الخريف في بداياته. وبالطبع، ومثل الكثير من الخطط المعقدة، باءت خطتي بالفشل الذريع. فقد أدى حادث إلى تأخير موعد مغادرتي بنحو نصف عام. وعبرت الصحراء الافريقية الكبرى في عز الصيف، ثم سافرت جنوبا، حيث كان الصيف يوشك على البدء أيضا، لأكمل مغامرتي بين الأراضي الأكثر حرارة في بتسوانا، وناميبيا، وتشيلي، والبيرو. وواصلت طريقي إلى المكسيك، والجنوب الغربي الأمريكي، وأستراليا، والصين، وباكستان، وإيران… وهكذا، وعلى مدار عامين، اجتزت كل صحارى الأرض برا، إما في سيارة جيب، أو في شاحنة، أو على قدمي، أو فوق بغل أو جمل. واصطحبت معي أفضل ما عثرت عليه من الخرائط، وجهازا ضخما ولكن دون هاتف يمكنه الاتصال عبر الأقمار ،GPS لتحديد المواقع الجغرافية الصناعية. وكنت أحيانا أستأجر مرشدين محليين، ولكن كنت اساسا أعتمد على نفسي. وكلما تنقلت بين نصفي الكرة الأرضية، كان حر الصيف ينتقل معي.

وعلى أقل تقدير، يمكنني القول بأني رأيت تلك الصحارى في أسوأ حالاتها. أو لعلي أقصد في حالاتها الأصلية الطبيعية. في النيجر، كدت أتوه عن جملي ومياهي المحملة فوقه أثناء عاصفة رملية. وفي تشاد، كدت أنا والمرشدين المحليين ان نشوى تحت سياراتنا الجيب، التي كانت وسيلتنا الوحيدة للحصول على ظل في ساعات الظهيرة. وفي وادي الموت، ارتفع الزئبق في مقياس الحرارة الموجود في جيبي إلى أعلى الأنبوب لساعات، ولم تكن لدي فكرة عن درجة الحرارة المجنونة التي وصل إليها الجو وقتها. وقد أطلقت على الكتاب الذي وضعته حول رحلتي وهو عنوان مستوحى من الشاعر الانجليزي ،« حبات الرمل » الصحراوية هذه اسم ويليام بليك، والذي رأى الخلود في حبة رمل، وربما كان الأجدى بي اختيار عنوان » أو « غليان الزئبق » أقوى وأكثر سخونة، مثل حبات العرق.

ولكن رغم كل شيء، فكما يعرف كل مسافر عبر الصحراء، فإن حرارة الصحراء الحقيقية جافة. فلا قطرات عرق مالحة تتساقط على عينيك: فالشمس تمتصه مباشرة من مسامك. وفي الصحراء، لن تحتاج إلى التبول، وإنما سيجف جسمك ويتضاءل. وأحيانا عندما يتساقط المطر، فان الحرارة اللافحة فوق الرمال تبخر قطرات المطر قبل أن تصل إلى وجهك المنتظر. وفي شمال تشيلي، رأيت منسوجات من القماش نسجت قبل أن يرفع المصريون أهراماتهم بفترة طويلة، فهذا المكان الأكثر جدبا في العالم حافظ على ألوانها على مدى 5000 عام. ومن المعروف أن بذور العشب في الصحراء يمكنها أن تنتظر المياه طوال 40 عاما، قبل أن تتفتق عن ورقة نبات واحدة. وهناك أجزاء هائلة من الصحراء الكبرى لا يوجد بها أي نوع من العشب، أوشكل من اشكال الحياة، ولا حتى الحشرات، وإنما النقاء البللوري اللاعضوي لحبات الرمل. هذه هي الصحراء الحقيقية، أليس كذلك؟ بالتأكيد، العدم هو ما جعل من الصحارى حواجز طبيعية. فجيوش سايروس والإسكندر أبادتها جزئيا أو كليا صحراء مصر وفارس. كما ابتلعت الصحراء الكبرى المد الجنوبي للإمبراطورية الرومانية، وكذلك للثقافة واللغة الشرق أوسطية. بل منعت حتى انتشار القمح.

كافح الصينيون طويلا لتوسيع إمبراطورياتهم المتعددة إلى صحراء غوبي وما بعدها. والذي يترجم اسمه حرفيا إلى ،« تاكلامكان » ويوجد في شمال التبت بحر الرمال وقبل أعوام قليلة، اصبحت أحد المدنيين الأوائل .« انك تدخل، ولكنك لا تخرج » الذين ذهبوا إلى هناك، وخرجوا من الجهة الأخرى، عبر طريق جديد بني بغرض استغلال احتياطيات النفط الوفيرة هناك. وهناك محاولات لزراعة مساحات عشبية تسهم في استقرار الكثبان الرملية في تاكلامكان وحماية هذا الطريق الضيق، ولكن t الأمر تطلب استخدام فرق من كاسحي الرمال، تم توزيعهم على مقصورات عند كل بضعة كيلومترات، ليقوموا بمهمة لا يحسدون عليها. وعلى مدى عدة قرون، ظل طريق الحرير محفوفا بالمخاطر وهو يمر بأحد جانبي بحر الرمال تاكلامكان. وكان أحد الغربيين الأوائل الذين سلكوا هذا الطريق هو التاجر الإيطالي ماركو بولو بالقرن الثالث عشر. وقد ساهمت قصصه عن الأرواح الشريرة والرمال التي تغني في إضفاء جو غموض لا يزال محيطا بالصحراء.

لا ترتبط حصريا بالرمال، فهناك دلالات أخرى لها، تتعلق بالحياة « صحراء » أن كلمة البرية، وحرية العيش بعيدا عن قيود المدنية، حرية التفكير، وحرية أن تكون ما تريد أن تكونه. ولست ألمح بهذا القول إلى أن ال 40 مليون نسمة الذين يعيشون في الصحارى في أنحاء العالم هم فلاسفة وعشاق للحرية، فالحقيقة أن معظمهم محافظون إلى درجة كبيرة، حيث الصراع من أجل البقاء بالصحراء يحتم فرض نظام حياتي صارم. وهم غالبا من أشد الناس فقرا، ولا يمكن أن نصف أناسا بلا خيارات غير أن .« أحرار » اقتصادية، او إمكانية اتصال بوسائل الطب والعلم الأساسية، بأنهم هذه العزلة في حد ذاتها قد تكون مصدر قوتهم الروحية. فكثير من أنبياء الله ورسله كانوا رعاة في الصحراء مما أتاح لهم العبادة والتأمل. وبالنسبة لي، قابلت نساكا بصحراء الهند، ورهبانا من هنود أمريكا بمناطق جرداء شمال وجنوب أمريكا.

ومن المفارقات الساخرة، انه في الغرب الغني اليوم، يحرص البعض من أكثرهم ثراء على عرض ثرواتهم من خلال فن استخدام ابسط الاشكال، والذي لا يتم فيه التركيز على ثقافة التملك، وإنما على المفاهيم الصافية، الوضوح، والتمييز. وفي الصحراء، يختفي التنوع في الحياة النباتية، وتسود جيولوجيا بدائية. أتذكر عندما كنت أعبر قسما من الرمال المستوية الخالية من أية معالم في النيجر في يوم غائم: حيث بدت الأرض والسماء متطابقتين بكل اتجاه. ورغم ذلك، فقد خطا دليلي، الذي لم يكن يحمل بوصلة، بلا تردد في الاتجاه الصحيح. هذه هي قوة التمييز. الكثير من الرحالة الغربيين، لعل أبرزهم لورنس العرب، رأوا أن سكان الصحراء يتمتعون بالكرم، والرزانة، والانضباط، بل ونبل الأخلاق. وأنا أشاركهم هذه الرأي. فالصحراء تفرض صرامة، وميلا إلى نبذ كل ما هو غير أساسي، وتبتعد تماما عن الإغراءات الدنيوية الموجودة بالحياة الحضرية. وعلى بعد المسافة بينهما، أخبرني بعضهم في كل من سلطنة عمان والنيجر، عن تقليد متبع لديهم حتى الآن، حيث يتم إرسال أبناء سكان الحضر الأثرياء للعيش مع سكان البادية، كي يتشربوا قيمهم الرائعة، وهذا ما كان عليه حال العرب في الجزيرة العربية قديما. وفي البلدان العربية، لا يزال الكثيرون يحبون الانطلاق إلى الصحراء هربا من ضغوط المدن. وهم يحتفظون بنوع من الارتباط بحياة المتصوفة، التي اختفت تماما من الغرب. والغربيون هم الخاسرون. لكن كتاب الروايات، والقصاصين، ومخرجي الأفلام، ظلوا يميلون لمزايا الصحراء الفلسفية. وقد أنتجت هوليوود مئات الأفلام، من أفلام رعاة البقر بالغرب الأمريكي إلى أفلام السيارات، استوحت خلفيتها من صحراء الجنوب الغربي الأمريكي. وأصبحت هذه الصحراء قالبا إعلانيا معروفا: المنتجات تصور على خلفية كثبان رملية، والسيارات الجديدة تصور في صحراء نيفادا.

تتسم الصحارى بقدر كبير من الهشاشة والضعف، فالقشرة الرملية التي تحفظ نظاما بيئيا متكاملا معقدا من الخنافس والزواحف يمكن أن تدمرها عجلات أية سيارة دفع رباعي وهي تتطلب نصف قرن لاستعادتها، كما ان الصحراء ليست براري لا طائل منها، أو أماكن لممارسة رياضة مجنونة باستخدام سيارات وآليات قوية. العام الماضي أخذت ابني، وهو في سن الخامسة، إلى الأردن، حيث نشأ ولعي الشخصي بالصحراء. فأعجب بجبال وادي رم، التي ترتفع كدراويش يرتدون أرديتهم السود. وأظهر ولعا بالرمال، ونيران المعسكر بالليل، والإبل، والأودية الضيقة التي تحفها المنحدرات، وتبرز فيها قطرات الماء الثمينة من بين الصخر. وأدهشه الصمت والهدوء بمكان يلفه ظلام دامس، وتبدو فيه النجوم أقرب ما تكون إلى الأرض. هذه هي آخر الكنوز في جعبة الصحراء، والتي لا تختلف عن الشعور الأساسي بالعزلة. تشهد السياحة اليوم طفرة قوية، وما يزال الجنس البشري يكدس ويبني كتل الأسمنت على طول الشواطئ. ولكن، وبينما تستسلم سواحلنا وتخسر جمالها شيئا فشيئا، أتوقع أن عددا متزايدا منا سيرغب، مثل أولئك العرب من سكان المدن، في دخول الصحراء، للترويح عن أنفسهم وإعادة صقل أذهانهم في هذا الخلاء الملحمي المليء بالعجائب.





  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة