يتحمل الإنسان، بشكل أساسي، مسؤولية انقراض الأسود وأفراس النهر وقردة البابون التي كانت موجودة بكثرة في مصر القديمة. عالم الطبيعة ريتشارد هوث يستعرض التغيرات لم تترك سوى قلة من الحضارات القديمة إرثا من الآثار كالذي تركته مصر القديمة. والمعالم الأثرية العظيمة، ابتداء من أهرامات الجيزة إلى مدينة طيبة والأضرحة والمعابد التي لا تعد ولا تحصى، تقف شاهدة على هذه الإنجازات الاستثنائية الرائعة. لقد استخدم علماء الآثار هذه المصادر لمعرفة الشعائر والطقوس وتفاصيل الحياة اليومية لسكان وادي النيل قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام. وقد كان لقدماء المصريين علاقات متشعبة مع عالم الطبيعة، العالم الذي يختلف جذريا عما هو عليه الآن في مصر الحديثة. لم يعثر على الرسومات التي تصور الحيوانات القديمة في مصر في المنطقة المحاذية لوادي النيل، لكن على بعد مئات الكيلومترات باتجاه الغرب، عبر الصحارى الشاسعة القاحلة. ويمكن للسائح اليوم زيارة أماكن مثل الجلف الكبير بالقرب من حدود ليبيا والسودان، حيث يجد رسوما جبل عوينات و كهف السباحين على الصخور تعود إلى نحو 10,000 سنة. وأشهر هذه الأماكن الذي خلدت ذكراه المشاهد الافتتاحية لفيلم المريض الإنجليزي علما أن الكهف يعاني من رداءة الترميم، أما صخور المناطق الأخرى فتغطي جدرانها رسوم لراقصين وسباحين وصيادين، كما تم تصوير غنائم الصيادين، وهي الرسوم تروي قصصا مشوقة. وتضم الفرائس الغزلان التي لا تزال موجودة في مصر حتى العصر الحاضر، والمها والمارية ذات القرون الحادة وهما من ضروب البقر الوحشي والتي لم تختف سوى في أوائل القرن الماضي، بالإضافة إلى الأسود والتي ترسم غالبا مقطوعة الرأس بما يدعو للعجب وقردة البابون والنعام والزرافات. وتدل تلك الرسوم على أن الحيوانات التي كانت موجودة وقتها هي حيوانات غابات وليس صحارى قاحلة، وهي تحكي عن عصر يسبق الحضارة الفرعونية المزدهرة ويمتاز بأجواء ماطرة وباردة ولا يشبه وضع المناخ في البلاد اليوم. وتدل الشواهد إلى أنه قبل نحو 6,000 سنة أصبح الجو اكثر حرارة وتحولت الغابات إلى صحارى واضطر السكان إلى التوجه إلى وادي النيل. واليوم، تذرع قوارب الرحلات التي يقوم بمعظمها المرشدون السياحيون النهر جيئة وذهابا بنفس الطريقة التي كان عليها الأمر منذ آلاف السنين. وفي الحقيقة، لو اطلع قدماء المصريين على الطبيعة الحديثة في القرن الحادي والعشرين فإنهم لن يتمكنوا من التعرف إليها. فقد محيت البحيرات التي كان ينمو فيها البردى وجفت، وفي الحقيقة ظل نبات البردى مجهولا في مصر الحديثة إلى أن تم اكتشاف أجمة أخيرة منه في وادي النطرون في ستينيات القرن الماضي. وقد حلت مكان البردى حقول كثيفة تضم محاصيل مغايرة تماما لما اعتاد أن يراه زائر فرعوني: الرز والبطاطا والذرة والبندورة وقصب السكر. ومع أنه قد يتعرف إلى أشجار النخيل، إلا أن أشجار الكافور التي تغطي قنوات الري في كل مكان ستشكل لغزا بالنسبة له. وهكذا لم يعد النيل خالدا، ويقدر أن % 95 من فصائل النباتات التي تعيش عليه الآن جديدة، ما عدا نباتات موجودة بمجموعة جزر صغيرة واحدة تحت ظلال سد أسوان القديم. وتساعدنا الرسومات العديدة التي توجد في الأضرحة والمعابد القديمة في الحصول على فكرة عما كانت تبدو عليه مزارع البردى. ففي مقابر المملكة القديمة مثل إيدوت وميريروكا في سقارة إلى الجنوب الغربي من القاهرة، توجد جلود رسمت عليها مشاهد الصيد في البر والبحر، والطريدة في هذه الحالة هي فرس النهر، أحد الحيوانات ذائعة الصيت في الرسومات القديمة والتي اختفت الآن تماما من مصر، باستثناء حديقة حيوانات القاهرة. لكن لحسن الحظ فان مشاهد الزراعة الزاخرة بالحياة البرية لا يزال من الممكن العثور عليها في البلاد اليوم. وقد تم تصوير هذا النوع من الحياة بدقة مذهلة تجعل من الممكن التعرف إليها بسهولة، فهناك طائر النهر الأرقط والفرفر الأرجواني وفصائل متنوعة من الدجاج البري ومالك الحزين والبلشون الأبيض، اضافة إلى الحيوانات الثديية أيضا مثل السنور والنمس المصري لكن لاحظ أن الجمل غير موجود، فالحيوان الذي يمثل رمز مصر الحديثة كان غير معروف على نطاق واسع في البلاد إلى أن تم استيراده من قبل الآشوريين والفرس الذين غزو مصر قرابة العام 500 قبل الميلاد. وثمة جلود في ضريح إيدوت تحمل صورة لأنثى فرس النهر وهي تلد صغيرها تحت الماء، في حين يترقب تمساح الفرصة السانحة للانقضاض على الصغير. وينحصر وجود تماسيح النيل الآن في بحيرة ناصر في أقصى جنوب البلاد، وقد كانت منتشرة بكثرة وكان البعض يعبدها ويرمز إليها باسم سوبيك. وهناك معبد بكوم أومبو شمال أسوان مخصص جزئيا لسوبيك، ويعرض فيه زوج من التماسيح المحنطة، كما توجد تماسيح محنطة في المتحف المصري بالقاهرة، أحدها طوله خمسة أمتار. وعندما تم تنظيفه مؤخرا عثر بين فكيه على خمسة تماسيح وليدة. ويبدو أن سوبيك كان يعلم بأن أنثى التمساح تحمل صغارها الوليدة من مكان ولادتها إلى الماء في فمها، وهو سلوك لم يلحظه البحاثة إلا مع نهاية القرن العشرين. كانت هناك حيوانات أخرى تعبد أيضا، وبالذات طيور أبو قردان وقرود البابون، رغم أن عبادتها لم توفر لها الحماية، اذ اختفى كلا الحيوانين الآن من مصر الحديثة. وفي سقارة وتونا الجبل، بالقرب من المنيا اليوم، تم اكتشاف سرداب تحت الأرض يضم الملايين من طيور أبو قردان وصقور الباز المحنطة وغيرها من الحيوانات. وقد كتب المؤرخ القديم هيرودوت أن من يقتل أحد الحيوانات المقدسة يعرض نفسه للعقاب بغرامة أو حتى بالموت، ما يجعل السؤال يطرح نفسه حول الكيفية التي تم بها جمع هذا العدد الهائل من الطيور. ومن المحتمل أن الحيوانات ربيت في أقفاص وربما على نطاق واسع. وربما دفعت مبالغ نقدية مقابل الطيور التي قتلت فيما بعد بيد الكهنة. وأظهرت التحاليل التي أجريت على عينات من الطيور المحنطة أنه لم يتم لفها، وقد وجد أن بعض الطيور الملفوفة ليست من فصيلة أبو قردان، رغم أنه تم تزيينها بصور للطيور المعبودة، بل إنها أحيانا مجرد حزمة من الريش. ويبدو أن الكهنة القدماء لم يتورعوا عن خداع عبدة هذه الطيور المقدسة. كان عدد الحيوانات التي تحنط في العصور القديمة كبيرا بشكل لا يصدق. وفي القرن التاسع عشر تم اكتشاف الكثير من القطط المحنطة في مواقع مثل بوباستيس قرب الزقازيق في دلتا النيل اليوم، مركز نفوذ القطة المعبودة باستيت، حيث كان يعتقد ان القطط المطحونة سماد للارض. والقطط من أهم الحيوانات التي استطاعت البقاء، ومن المعتقد شعبيا أن قدماء المصريين اول من استأنسها مع أن الأمر عرضة للنقاش. والمشكلة هي أن الهررة الأليفة مشابهة جدا للقطط الوحشية ومن الصعب ملاحظة الفرق في تكوينهما العظمي، وربما أشارت الصور المرسومة على الجلود الفرعونية إلى القطة الوحشية أو الأليفة. ولم تظهر القطط في سياق يتحدث عن القطط الأليفة بوضوح إلا في عهد المملكة الجديدة نحو 1,500 ق م وظهرت ترتدي طوقا ووثاقا، كما توجد أدلة من أماكن أخرى مثل قبرص على تدجين القطط قبل ذلك بكثير. وتظهر الأضرحة والمعابد والمحنطات واوراق البردى أن لدى مصر تراث طبيعي غني ومتنوع مثل تراثها التاريخي والثقافي. لكن المؤسف أن هذا الإرث يرزح تحت تهديد خطير من التطور الحديث مع ما يرافق ذلك من تخريب وصيد مباشر. وبالنسبة لطيور أبو قردان وقرد البابون المقدسين فإن الوقت قد تأخر كثيرا، لكن بالنسبة لما يتبقى من تراث غابات مصر وغزال الدوركاس والوعل النوبي وما شابهها، فإن إقامة 25 منتزها وطنيا ومنطقة محمية من قبل الوكالة المصرية لشؤون البيئة قد يساهم في الحفاظ على الثروات المتبقية من نباتات وحيوانات مصر الطبيعية. |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |











