ماثيو تيلر يتوجه إلى رمال ولاية الشرقية في سلطنة عمان ليشاهد الطبيعة في أبهى صورها، ويدافع عن السلاحف المهددة بالانقراض، ثم ينطلق ليتسلق كثبانها الرملية بسيارة دفع رباعي سيارتي الخاصة من طراز نيسان، وهي من نوع ألميرا 1.4 قديمة، وبها خدوش وكدمات عديدة، كما ابتليت بنظام عقيم لتكييف الهواء لم يعمل منذ الصيف قبل الماضي. أما اليوم، فإني أزهو متجولا بحرية فوق رمال ولاية الشرقية في سلطنة عمان أمام مقود سيارة دفع رباعي حديثة من طراز تويوتا لاند كروزر، مزودة بمحرك سعة 4.5 ليتر، ونظام حقن إلكتروني بالوقود، وقوة 220 حصانا. والحقيقة أني لست خبيرا بتقنيات السيارات، وليست لدي فكرة واضحة عما تعنيه قوة 220 حصانا بالضبط، ولكني أدرك أن هذه سيارة عظيمة، وتلك كثبان رملية عظيمة أيضا، وأنني سأستمتع لدرجة كبيرة عندما أضع الاثنين في احدهما في مواجهة الآخر لأرى من يكسب.
لقد كان هذا يوما ملحميا فوق الرمال منذ بدايته، فقد استهللته بنزهة فريدة وضعتني على سلم الشهرة: فقبل 24 ساعة فقط، كنت أول شخص في منطقة الشرق الأوسط يرى الشمس وهي تبزغ. فقد انطلقت أنا ومرشدي، مسعود، عند الفجر نسابق التلال منطلقين إلى لسان رأس الجنز، الواقع في أقصى شرق سلطنة عمان. وهذا اللسان ولسان رأس الحد القريب، وهو النقطة التي يلتقي عندها بحر العرب مع خليج عمان، تحفهما خلجان عديدة من الرمال البيضاء، تستخدمها آلاف السلاحف البحرية الضخمة كأعشاش لاحتضان بيضها. وقد أتينا لنرى إن كانت أيا من هذه الزواحف الزائرة موجودة اليوم في المكان. تؤوي سلطنة عمان خمسة من أنواع السلاحف البحرية الأساسية السبعة، وهي: السلاحف جلدية الظهر والتي تعيش بعيدا عن الشاطئ، بينما تعشش كل من السلاحف ذات الرأس الكبير، وسلاحف أوليف ريدلي، والسلاحف الخضراء المهددة بالانقراض، وسلاحف منقار الصقر التي تعد مصدرا للغذاء كما تعد الأشد تعرضا لخطر الانقراض، على شواطئ عمان. في الليل، تسحب هذه المخلوقات ذات الدرقات الثقيلة نفسها من المياه الضحلة في رأس الجنز لتحفر، بمشقة وعناء كبيرين، حفرة في الرمل باستخدام أطرافها، ومن ثم تضع فيها بيضها، وتغطيها وتعود إلى البحر. وبعد نحو 55 يوما، يفقس البيض وتخرج الصغار لتبدأ أخطر رحلة في حياتها على الإطلاق، محاولة تجنب الثعالب وسرطانات البحر والطيور الجائعة مندفعة في طريقها إلى البحر حيث تجد الأمان فوق الأمواج المتكسرة. وتعد الرحلات الليلية لمشاهدة السلاحف البحرية من بين الأنشطة السياحية الأكثر شيوعا، ربما إلى درجة مزعجة ومؤذية. فقد أخبرني مسعود أنه في بعض الليالي يتجمع نحو 120 سائحا على الشاطئ. وقص حكايات مرعبة عن قيام بعض المرشدين في هذه الرحلات بتسليط أضوائهم الكشافة مباشرة على السلاحف أثناء قيامها بوضع البيض، أو عن إقدام بعض السائحين على رفع أرجل السلاحف عاليا حتى يمكنهم أخذ صور أفضل للبيض، على الرغم من مشاهدتهم أن الضوضاء والأضواء الكاشفة تشوش هذه المخلوقات المهددة وتربك سلوكها، ما يجعلها تهجر أعشاشها وتعود أدراجها إلى البحر. ورغم جاذبية المشهد الليلي الفريد، قررت ألا أشارك فيه، وفضلت تأجيل الاستمتاع بالمكان إلى الفجر، وهو وقت قد لا أرى فيه مشهد وضع البيض الرائع، ولكني على الأقل لن أسبب ضررا للسلاحف، بل وستزداد فرصة تمتعي وحدي بالشاطئ. كانت الساعة قد تجاوزت السادسة صباحا بقليل عندما وصلنا إلى الشاطئ، وكان يمتد جميلا ومتعرجا تتسارع عليه الأمواج المتكسرة، بينما حفلت الرمال الهشة بعشرات الحفر الصغيرة التي تشير إلى أماكن دفن السلاحف لبيضها في الليلة الماضية. ولم تظهر أية علامة على وجود حياة بالمكان، ولكن هذا غير مهم، فقد كان يلفه جو من الهدوء الجميل. ومن هنا، وفي هذه البقعة الموجودة في أقصى الشرق من عمان )اي في أقصى شرق شبه الجزيرة العربية كلها(، شاهدت قرص الشمس الذهبي وكأنه يقفز خارجا من البحر. ثم ناداني مسعود. فقد عثر على سلحفاة بحرية وحيدة، وكانت وليدة صغيرة تكافح للخروج من عشها الرملي. ظللنا ننظر إليها من بعد، كانت أشبه بلعبة صغيرة، وكان حجمها ضئيلا يكاد يماثل راحة يدي، وأرجلها الأربعة تكافح للوصول إلى المياه. وحام طائر بحري عاليا، وكان على ما يبدو متلهفا لتناول هذه السلحفاة كفطور، ولكني أخفته ليذهب بعيدا، ووقفت أحميها حتى أتمت طريقها إلى نهاية الشاطئ. وفي الحقيقة، فإن فرص نجاة هذه المخلوقات ضئيلة. فالعلماء يقولون أن اثنتين أو ثلاثا فقط من بين كل 10 آلاف سلحفاة تستطيع البقاء حتى البلوغ. وحتى اللحظة التي أخذها فيها الموج إلى غياهب المحيط الهندي الذي تغمره أشعة الشمس، ظل قلبي معها. في عمان على شكل شريط من الأرض يبدأ من السهل « الشرقية » تمتد منطقة الساحلي الخصب، وحتى قمم الجبال الصخرية التي لا تقهر والتي ترتفع لنحو 2,000 متر، وتضم هذه المنطقة بعضا من أجمل المناظر الصحراوية بجزيرة العرب. وأثناء رحيلنا باتجاه المنطقة الداخلية بعيدا عن رأس الجنز، انحرف مسعود ليقود السيارة بشكل مثير على طرق ضيقة صعودا فوق أحد الجبال، وهبوطا نحو وادي بني خالد، الذي تحفه الجروف الصخرية المخيفة. وامتدت الطيات الجبلية التي تشكلت بفعل الزلازل، والنتوءات ذات الزوايا شديدة الانحدار على مرمى البصر. ورحت أتأمل الأسطح الصخرية المخيفة، بينما كان مسعود يستعرض مهارته في القيادة، ويسرع بسيارة اللاند كروزر فوق المسارات الضيقة المليئة بالأحجار والتي تلتف فوق سفح الوادي. انتهينا عند موضع شاهق يبلغ ارتفاعه نحو الف متر فوق البحيرات وأشجار النخيل التي يعج بها الوادي، ثم نزلنا مرة أخرى لندخل الوادي. كان المكان هادئا مظللا وغنيا بالمياه الباردة، وبدا واحة عربية نموذجية. وكان الأطفال يمرحون بينما تتنزه العائلات، وامتد شريط الأرض الخصبة لأعلى حتى .V أطراف الوادي، لينتهي مع اقتراب الجروف المجدبة على شكل حرف واصلنا طريقنا، وعند قرية المنترب الحدودية الترابية، التقينا حمدان، وهو صديق لتنظيم الرحلات السياحية. وقرية المنترب « ديزرت ثندر » لمسعود يعمل في شركة هي المكان الذي ينتهي إليه الطريق المرصوف، قبل الوصول إلى الكثبان الرملية المتنقلة في منطقة رمال الشرقية، التي كانت تعرف سابقا باسم رمال آل وهيبة، ولكن تذمر البدو في المنطقة لأن آل وهيبة قبيلة واحدة من بين قبائل عديدة تعيش هنا، فغيرت الحكومة الاسم. في مثل هذا الموضع، تظهر فوائد سيارات الدفع الرباعي الكبيرة، لكن وقبل الاندفاع نحو الرمال، يجب تقليل كمية الهواء داخل الإطارات جزئيا لتوفير قوة سحب إضافية، لذا، يتوقف الجميع عند المنترب لتقليل ضغط الهواء. لم أكن متأكدا بشأن ما دار بين مسعود وحمدان بالضبط أثناء قيامهما بإعداد السيارة، ولكن أعتقد أنهما كانا في سباق تحد: وحين انطلقنا، ارتفع صوت المسجلات بسيارتيهما (كان مسعود يستمع لبوب مارلي، بينما فضل حمدان الاستماع للمغني البدوي الإماراتي أبو رجا)، وقد انطلقا بأقصى سرعة، فبدت سيارتاهما، وكلتاهما من طراز لاند كروزر، وكأنهما تطيران فوق الكثبان المهيبة بسرعة تجاوزت 100 كيلومتر في الساعة. مقصد رحلتنا يقع على بعد 50 كيلومترا داخل منطقة الكثبان الرملية الخالية، وهو يتسع لاكثر من 50 شخصاويضم غرفا جيدة ،« ألف ليلة » معسكر ناء للسياح اسمه التجهيز عبارة عن خيام مصنوعة من شعر الماعز، جهزت بأسرة مريحةوحمام بدش ومراحيض عصرية، وتقدم فيه وجبات طعام عامرة حسب نظام البوفيه المفتوح. انضم إلي حمدان لنطالع معا مشهدا رائعا لغروب الشمس فوق أحد الكثبان الرملية ،« الطبيعة أقوى منا » القريبة، وهي توشحه بلون بين البني والأصفر. وقال حمدان خلال 20 عاما، سينتقل هذا الكثيب الرملي إلى ذلك » ثم أشار إلى الشرق مضيفا جلسنا نتحدث تحت ضوء شفق الغروب، بينما هبت نسمات باردة .« المكان هناك هيه، خذ » منعشة.وفي الصباح التالي، كانت ابتسامة كبيرة تعلو وجه حمدان. وقال المفاتيح، لقد سبقنا مسعود في سيارة أخرى، ويجب أن نعود بسيارته إلى المنترب. أدر المحرك بأقصى سرعة، ولا تستخدم سوى التروس الأول والثاني والثالث، واتبع مساري على الكثبان بدقة حتى لا تنغرز عجلاتك في الرمال وهكذا، وبعد أن 24 ساعة فوق الرمال البيضاء في منطقة رأس الجنز، وجدت نفسي مسؤولا عن قيادة سيارة لاند كروزر كبيرة جدا وغالية الثمن فوق الكثبان. فمن قال إن أصحاب سيارات نيسان لا يعرفون متعة القيادة. |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |







