Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
قطط تفترس الكلاب 





يتعرض بعض سكان مومبي الأشد فقراً للاعتداءات من قبل القطط الكبيرة المتوحشة ولكن، وكما اكتشف توم باركر، فإن البشر أنفسهم هم في الحقيقة سبب المشكلة

ذعرت لصوت حفيف فاجأني من خلفي. فالتفت لأواجه النظرات الثاقبة لحيوان يكاد يكون مختفيا بالكامل بين أدغال الغابة الجافة. وقفز الى ذهني الاحتمال الاسوأ الذي ملأ قلبي رعبا، أن يكون أحد الحيوانات الضارية يطاردنا. وارتفع صوت كريشنا تيواري، قائلا إنه مجرد آيل بينما بدا أكثر اهتماما بقطعة جافة من الطين الأسود على الطريق أمامنا. والتقط الموظف الذي يعمل في الغابة، ما كان في الحقيقة روث نمور، ليضعه بعناية في كيس بلاستيكي مخصص لحفظ العينات. وأضاف من خلال تحليل ما تأكله هذه النمور، يمكننا ان نعلم كل شيء عن سلوكها.

العنصر الأهم في طعام النمور والذي يبحث عنه تيواري هو الكلاب الأليفة. فمن الواضح أن هذه الكلاب تمثل نسبة % 80 من طعام تلك القطط الكبيرة. ويقول يصعب على هذه النمور اصطياد الأيائل، ولكن الكلاب فريسة سهلة لها لأنها تتجمد عندما ترى نمرا.

إن بدت لك فكرة اصطياد النمور للكلاب الأليفة غريبة بعض الشيء، فالحق أن ساحة التقاء هذين الصنفين من الأحياء أشد غرابة. فمتنزه سانجاي غاندي الوطني يمتد على رقعة بمساحة 104 كيلو مترات مربعة تضم حيوانات برية غير مستأنسة، وتحيطها من ثلاث جهات ثالث أكبر وأكثف منطقة سكنية مدنية ممتدة على سطح الأرض، إنها مومبي. ومساحة منتزه غاندي تفوق بنحو 30 مرة مساحة متنزه سنترال بارك الشهير في نيويورك، كما يعد منتزه سانجاي غاندي مأوى لثمانية أصناف كبيرة العدد من الكائنات البرية، ولكن الأهم من هذا كله، وهو بالتأكيد امر شديد الاهمية بالنسبة للكلاب الاليفة المسكينة التي تقطن المدينة، ففي هذا المنتزه توجد أكبر كثافة من النمور على مستوى العالم.

ولكن الحقيقة هي أن تغييرا أحدثه البشر في النظام البيئي للمنتزه كان السبب في اثارة المشاكل. فعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية، استوطن عشرات الآلاف من العمال المغتربين هذا المنتزه، وأحاطوا حدوده الخارجية بالكثير من المساكن العشوائية المؤقتة. وقد كان تدفق المهاجرين في البداية هو العامل الذي ، دفع بحكومة انديرا غاندي لإعلان هذه المساحة البرية منتزها قوميا في عام 1982ولكن هذه الخطوة لم توقف زحفهم. وعقب ذلك جاءت الكلاب التي تقتات على الفضلات التي يتركها الناس لتوفر مصدرا وفيرا ومتزايدا من الطعام للنمور. ومع تضاؤل خوف هذه النمور من الإنسان، لم تعد الكلاب وحدها فريسة سهلة لها.

في عام 2004 ، سلط الإعلام الوطني أضواءه بشدة على هذا المنتزه بعد ان راح 22 شخصا من أهل المساكن العشوائية ضحية لهجمات النمور خلال عام واحد. ويبدو أن معظم هذه الهجمات جاءت بسبب خطأ في تحديد الهوية فحين يكون الانسان جالسا تصبح عيناه على نفس مستوى عيني الكلب وهذا ما جعل النمور التي لم تكن عادة تهاجم البشر تخطئ في تحديد هوية فريستها. وشرعت السلطات في تنفيذ برنامج توعية لتقليل الهجمات من خلال وسائل عملية بسيطة، حيث نصحت السكان بعدم الخروج من بيوتهم بعد غروب الشمس والحرص على عدم ترك أي من اطفالهم يسير منفردا بل ضمن مجموعة من اقرانه.

وعلى الرغم من ذلك، فقد أجبرت الاحتجاجات العنيفة التي نظمها السكان الحكومة المسؤولة على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة. وتمثلت استجابة الأخيرة في وذلك على الرغم من غياب أي دليل علمي على ،« المذنبة » اعتقال النمور ال 22 أنها النمور الآكلة للبشر (واليوم ما تزال مديرية الغابات ممتنعة عن التعليق على ما حدث بالضبط لهذه الحيوانات حيث تمت إعادة 4 منها فقط إلى الغابة). ومع تناقص أعداد هذه الحيوانات إلى نحو النصف، توقفت الهجمات إلى حد كبير بين عشية وضحاها، ولكن هذا لم يكن حلا طويل المدى. فبالرغم من أن أحدا من البشر لم يمت بعد، فقد وقعت بالفعل على مدى الاثني عشر شهرا الماضية هذه النمور، التي كانت خضعت لعمليات » هجمات جديدة. يقول كريشنا تيواري استنزاف، تكاثرت أعدادها بشكل كثيف، وغدت صغارها الآن كبيرة بما يكفي لمعاودة الهجوم. وقد نتعرض لوضع بالغ الخطورة مرة أخرى.

ولا يمثل خطر وقوع هجمات جديدة سوى أثرا جانبيا للمشكلة الأكبر، وهي سكن هذه الأعداد الكبيرة من البشر داخل المتنزه الوطني. وخلال الأعوام العشرين الماضية، أصبح متنزه سانجاي غاندي ساحة معركة بين المطالبين بحماية البيئة وجماعات حقوق الإنسان، وسكان العشوائيات، وشركات إنشاء العقارات، وكل من له اهتمام بأحد أكثر مناطق السكنى غلاء في العالم. وفي فترة التسعينيات، رفعت جماعات حماية البيئة عددا من الدعاوى القضائية ضد حكومة ولاية ماهاراشترا تطالب بالإجلاء القسري لحوالي 70 ألف تجمع للأكواخ العشوائية وذلك لتعديها غير القانوني على أراضي المنتزه الوطني. وفي عام 1995 حكمت المحكمة لصالح المدافعين عن البيئة وأمرت بإزالة تلك التجمعات خلال 18 شهرا.

وواجه القرار سلسلة من الالتماسات المعارضة من جانب جماعات النشطاء الاجتماعيين. ومن بينها جماعة سوراكشا ساميتي لحقوق الإنسان، وهي منظمة لحماية حقوق أولئك الذين يعيشون في المناطق العشوائية المؤقتة. ويقول لا يمكنك أن تتحدث عن حماية البيئة عندما تنتهك حقوق » مؤسسها بي كيه داس الإنسان. فلا يمكن إجبار الناس على الخروج من منازلهم عندما لا توفر الحكومة السكن الاقتصادي الذي يستطيع الفقراء تحمل تكاليفه.

وبالرغم من هذه الاحتجاجات المعارضة، ففي عام 1999 ، تمت إزالة 49 ألف كوخ من الاحياء العشوائية. وجرت عملية إعادة إسكان لثلث هؤلاء فقط في جزء آخر من المدينة، بينما ظل الباقون بلا مأوى. ثم في عام 2003 ، تحولت الحكومة من سيطرة حزب بهاراتيا جاناتا إلى حزب المؤتمر، ولتدعيم قاعدته الجماهيرية، احتاج الحزب الحاكم الجديد إلى أصوات سكان العشوائيات، وبالمقابل، سمح بعودة من سبق إجلاؤهم، وسرعان ما أعاد هؤلاء بناء مساكن جديدة في الأماكن ذاتها. بينما كنت أقف على جبل في القطاع الشرقي من المنتزه، أدركت بوضوح سبب استمرار حملات حماة البيئة من أجل حماية حدود متنزه سانجاي غاندي الوطني، ومواصلتهم رفع الدعاوى عبر المحاكم حتى اليوم. فبينما اقتربنا من القمة برزت مساحتان فضيتان لامعتان أمامنا، هما بحيرتا تولسي وبيهار. وهاتان البحيرتان توفران ما يقرب من عشرة بالمائة من موارد المياه في مومبي، كما تساهمان في حماية المدينة من خطر السيول. ولا يتوقف الدور البيئي للمتنزه عند هذا الحد: فالغابة أيضا تعمل كمرشح تنقية لهذه المدينة الأشد تلوثا، كما تعمل كوحدة تكييف هوائي ضخمة (يقل متوسط الحرارة داخل المتنزه بنحو 4 درجات عنه في المدينة) كما أنها تحد من مخاطر الأمراض المرتبطة بالجهاز التنفسي.

يقول بيتو ساغال، محرر مجلة المحميات والذي ظل يكافح على مدى أكثر من 25 عاما بلا كلل من أجل وقف التعديات البشرية على الحياة البرية المهددة المتنزه هو عدتنا في مواجهة التغير المناخي. ومن الغباء حقا أن نتعامل معه دون اكتراث. ومن المستحيل أن نضع قيمة تجارية لمكان يلعب مثل هذا الدور المهم في الحفاظ على الوجود البشري في المدينة.

ومع اقتراب موعد الغروب، اتخذنا طريقنا هبوطا من الجبل باتجاه الأضواء البراقة التي تميز مدينة مومبي. وساهمت سلسلة من حرائق الغابات المحدودة في إنارة طريقنا، وهذه النيران هي من فعل فاعل تشعلها مافيا الأخشاب المحلية خصيصا لكي تستطيع الحصول على اغصان البامبو، وكذلك الأشجار ذات الأخشاب الصلبة والتي يقطعونها بصورة مخالفة للقانون. الا ان موظف الغابات كريشنا تيواري كان يعلم جيدا أن بداية المساء هي الوقت الذي تقوم فيه النمورالتي تعيش في المتنزه بالبحث عن طعامها، وأننا لا نقدم قدوة صالحة للسكان الذين يعيشون في الأكواخ العشوائية بالتجول في هذا الوقت.

رغم ان تريشنا تيواري يستوعب جيدا حقيقة الوضع الخطر الذي يتعرض له منتزه سانجاي غاندي، كما يعلم أن المدافعين عن حماية البيئة لا يمكنهم غض النظر عما يحدث حتى ولو للحظة واحدة فقط. ولكنه قال معربا عن أسفه لو لم يتعد الناس على أراضي الغابات هنا، لما ظهر صراع البقاء هذا بين النمر والإنسان. ولكن عندما تكون في دولة أعداد السكان فيها هائلة مثل الهند، فلا يمكننا أن نطالب بالمستحيل.











  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة