Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
الحدائق المعلقة العصرية 





الحدائق المعلقة العصرية

وسط ساحات من الصحراء الممتدة خارج الرياض، يبرز مشروع جديد مذهل يهدف إلى استعراض 400 مليون عام من التاريخ النباتي في العالم. بقلم كيت ريوردان

أشجار نخيل سامقة يتأرجح سعفها بهدوء، ومجموعة من نوافير المياه والشلالات المندفعة التي تطلق رذاذها اللطيف عاليا، وثلة من البسط الغريبة ذات الألوان الزاهية الشبيهة بقوس قزح. قد تبدو هذه أشبه بحدائق بابل المعلقة المفقودة التي ظل الناس يتحدثون عنها كثيرا ودمرها زلزال قبل أكثر من ألفي عام، لكن في الحقيقة، فإن هذه صورة لما ستبدو عليه حدائق الملك عبد الله العالمية لدى اكتمالها عام 2011 . فهذه الحدائق التي صممت تكريما لملك السعودية، ويأمل المسؤولون عن تصميمها المتطور والرائع في آن، من معماريين ومهندسين وخبراء نبات في جعلها مكانا مثاليا للتعلم وللمتعة أيضا لآلاف الزوار الذين يتوقع أن يقبلوا عليها. وكما يقولون، فهذه الحدائق ستكون هدية للملك، ولكنها هدية أكبر للإنسانية.

الفريق الذي يقف وراء التصميم الفائز لحدائق الملك عبد الله العالمية هو من شركة بارتون ويلمور المعمارية، ومقرها لندن، والتي حرصت ايضا على الاستعانة بخبرة متحف التاريخ الطبيعي في بريطانيا، ومشروع عدن ومقره كورنوول. وفي الحقيقة، فإن ما يميز هذه الحدائق عن سابقاتها من الحدائق الدولية المنتشرة في أنحاء كثيرة بالعالم، وأحد الأسباب الرئيسية وراء فوز هذه الشركة بعقد إنشائها، هو أنها، كما يقول مصممها الرئيسي نك سويتستحكي قصة الزمن. فبينما تحرص الحدائق الأخرى في مختلف أنحاء العالم على إعادة صنع أشكال الحياة النباتية المعاصرة، مثل جزء من الغابات المطيرة في البرازيل، أو المتاهات الإنجليزية المشجرة، فإن سويت وفريقه من المخططين اتخذوا خطا زمنيا تاريخيا في عملهم، بدلا من النهج الجغرافي المتبع عادة.

وكما يؤكد سويت، فالصحراء المحيطة بالحدائق تمثل خلفية مناسبة إلى حد كبير لقصة كوكبنا التي ترويها هذه الحدائق العالمية، ففي وقت مضى، كانت هذه الرقعة الجرداء القاحلة من الأرض جنة خضراء غزيرة الأمطار. وستمثل أولى حدائق الملك عبد الله العالمية العصر الديفوني، وستعود بزوارها إلى قرابة 400 مليون عام مضت إلى مشهد غريب لينابيع المياه الحارة، والبراكين، والنباتات والطحالب ذات الألوان البراقة. وستتم إعادة تمثيل كل عصر جيولوجي كعالم مصغر، بدءا من العصر الكربوني وحتى يومنا هذا، مرورا بالعصر الجوراسي، لكن باستثناء ديناصوراته، والعصر الكريتاسي الذي شهد ظهور أولى الزهور، وحقبة السينوزوي )حقبة الحياة الحديثة( والتي شهدت ظهور أولى الحشائش، والعصر البليوسيني الذي ينظر إليه الآن باعتباره البيئة المثالية للغابات والأنهار.

وفيما يتعلق بعصرنا الحالي، خطط المصممون لوضع ما يمكن تسميته حديقة الاختيارات، حيث يمكن مشاهدة العالم الذي قد يضطر الإنسان للعيش فيه إذا سمح للتغيير المناخي بالاستمرار بنفس الوتيرة الحالية دون تدخل إيجابي. وهنا، ستنقسم الحديقة إلى قسمين: فعلى جهة، ما قد سيصبح عليه العالم إذا لم نصنع شيئا، حيث تظهر نتائج تزايد معدلات غاز ثاني أكسيد الكربون والمتمثلة في: زيادة التصحر )تبرزه بصفة خاصة الصحراء الممتدة حول الحديقة(، وارتفاع مستوى مياه البحار بسبب ذوبان جبال الجليد. وعلى الجهة الأخرى، ما سيبدو عليه العالم إن اتخذنا الإجراءات المناسبة.

ويعتبر مبنى نباتات حقبة الباليوزي باليوبوتانيك الوحدة الرئيسية في حدائق الملك عبد الله العالمية، فهو يؤمن المجالات الحيوية المحيطة اللازمة لحماية الكثير من النباتات، اضافة إلى استضافة المعارض الرئيسية، ومجموعة من المطاعم، ومسرح عريض، وممشى بطول 1.3 كيلومتر للزوار المتحمسين لرياضة المشي. وسيتم تتويج المباني المتشابكة بسواري ترتفع فوق سماء الصحراء بما يشبه هلالين ضخمين. أما حديقة الوادي، وهي حديقة مسورة ومحاطة بأقواس من الأهلة، فستحفل بمظاهر التوازن البيئي الموجودة بالبيئة المحلية. وفي الخلف، يمتد باقي الموقع الذي يشغل مساحة 160 هكتارا، ويشمل، على سبيل المثال، قفصا ضخما للطيور، وحديقة للفراشات، وحدائق مائية. وستشكل المجالات الحيوية المحيطة التي توفر الحماية للنباتات العنصر الأكثر أهمية في مبنى نباتات حقبة باليوبوتانيك. وستتم تغطية الباليوزي القباب بغشاء لبني أبيض مبتكر، يسمى “اي تي اف اي”. وستعمل ثلاث طبقات من هذه المادة للاحتفاظ بدرجة الحرارة عندما يكون الجو باردا، ولتبريد الهواء عندما تشتد حرارة الصحراء.

وحسب الفكرة العامة لهذه الحدائق، فالمشروع هو اولا صديق للبيئة. لذا، سيتم استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما سيتم استخراج % 90 من الحجر والحصى والصخور التي سيتم إنشاء المبنى بها من الموقع ذاته. كما ستقوم حافلات كهربائية بنقل الزوار من وإلى وسط المدينة والفنادق الرئيسية، في رحلة تستغرق 20 دقيقة تشجيعا لاستخدام وسائل النقل العام. وبالنسبة للمياه، يقول سويت لا نريد أن نسرف في استخدامها. لذا، لن توجد مساحات مائية مكشوفة كبيرة تكون عرضة للتبخر، وسنقوم بإعادة تدوير المياه لأغراض الري، لنحو 6 مرات. ويمثل الاحتفاظ بدرجات حرارة ثابتة للجو داخل القباب المشكلة البيئية الأكبر في هذا البلد الذي ترتفع فيه الحرارة غالبا إلى 55 درجة مئوية، ولكن الحل بسيط ويعتمد مبدأ ارتفاع الهواء الحار لأعلى. وعليه، فأعلى قبة سرتفع 45 مترا، مما سيمكنها من الاحتفاظ قرب الارض بدرجة حرارة مناسبة للزوار والنباتات الحساسة، بينما ستتألف الأصناف النباتية التي ترتفع لأعلى لتصل إلى الجو الأكثر حرارة من الأشجار الأشد صلابة وتحملا.

ويستدرك سويت قائلا لا يتمثل التحدي الأساسي في إقامة المباني ذاتها، وإنما في زراعة آلاف النباتات. فهذه النباتات ستأتي من مختلف أنحاء العالم، فعلى سبيل المثال، هناك موضع في كورنوول ينمو فيه نوع خاص من الأشجار التي تعود للعصر الجوراسي. وبالطبع، توجد منها شتلات صغيرة، ولكننا سنحتاج إلى أشجار بطول 10 أمتار. وعلى أية حال، فبعض النباتات ستزرع كبذور، أو كأجزاء صغيرة مقطوعة من النباتات الأم، والكثير منها أخذت من بنوك بذور )وهي مستودعات خاصة بكل صنف معروف من الأصناف النباتية(. وأحد هذه البنوك القيمة موجود تحت جبل جليدي في القطب الشمالي، حيث تسهم درجات الحرارة التي تنخفض إلى ما تحت درجة التجمد في الحيلولة دون إنتاش البذور. ويوحي الجفاف الكبير الذي يميز جو الصحراء بأن بنكا شاملا للبذور سيتكون في النهاية هنا في حدائق الملك عبد الله العالمية أيضا.

وللأسف، فبعض الأصناف النباتية لن يكون بالإمكان إعادة تمثيلها مثلما كانت قائمة في عصورها السابقة، لأنها انقرضت. ويتمثل الدليل الأوحد لدينا على وجودها في المستحاثات المكتشفة حديثا، حيث يمكن لهذه الأحفورات أن تفصح عن الكثير من صفاتها لخبراء النبات، مثل هيئتها، وحجمها، ولكن باقي الصفات، مثل اللون أو الملمس، فستبقى عرضة للتخمينات. ويتمثل حل مثل هذه المشكلة هنا في حدائق الملك عبد الله العالمية في وضعها على شكل نباتات صناعية زائفة، وتوزيعها بين الأصناف النباتية الحية. وهذه الطريقة لا تسهم فقط في التغلب على مشكلة عدم وجود نباتات أصلية، ولكنها تسهم أيضا وبشكل واضح في إبراز مخاطر تعريض الحياة النباتية للانقراض. وتلعب هذه الوسيلة دورا حيويا خاصة في هذا الوقت الحالي حيث تؤكد الدراسات أن جهود المحافظة على البيئة لو توقفت الآن، فبحلول عام 2030 سنفقد حوالي خمس نباتات وحيوانات كوكبنا الأرضي أو سنعرضها للانقراض المبكر. وهنا يقول سويت إن من أهم جوانب الموضوع أن نخلق شعورا بالخوف من انقراض جزء من الحياة النباتية.

ومع التوجه لجعل هذه الحدائق وسيلة تعليمية مهمة، يحرص سويت على التأكيد على عدم وجود أي إيحاء مفتعل بأهمية محتوياتها أو التباهي الكاذب. كما أن الدخول لن يكون مجانيا، كما يوضح، فالناس يحترمون أكثر المكان الذي يدفعون مقابل دخوله، ولكنه يريده في الوقت ذاته مكانا يمكن للجميع الذهاب إليه للتواصل مع الآخرين أو للاسترخاء أيضا. ويقول أريد أن تكون هذه الحدائق مكانا للتسلية ايضا بحيث يتمكن الناس فيه من تبادل الضحكات، والتمتع بالألعاب البسيطة هنا.

وقد لعب الدكتور المهندس إبراهيم الدجين، مدير الإدارة العامة للحدائق وعمارة البيئة في أمانة منطقة الرياض، والذي ستخضع حدائق الملك عبد الله العالمية لسلطته، دورا فعالا في تقدم المشروع. عبر مساهمته في إثارة الاهتمام بهذه الحدائق في المدينة، حيث أقر أصحاب الشركات الخاصة بأن الرياض لم تثبت مكانتها بعد كمقصد للسياحة الثقافية، ولذا، حرصوا على التبرع بمبالغ مالية سخية للمساهمة في ميزانية المشروع التي تبلغ 300 مليون دولار أمريكي. وكما يقول سويت يشيع في الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية ميل تقليدي للاحتفاء بالحدائق والمياه. وستثبت حدائق الملك عبد الله أنها نموذج رائع.





  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة