صدفة… ذات صدفة
في رحلة بحث عن أفضل بلح بحر محشو في تركيا
أول تجربة لي في تذوق بلح البحر المحشو فوق أحد الأرصفة، كانت في منتصف السبعينيات. كنت حينها في زيارة لإسطنبول من أجل حضور سلسلة من معارض الفن الإسلامي، وكلما فرغت من زيارة المتاحف أو المساجد، كنت أهرع إلى الأسواق الشعبية إما للتبضع أو للتلذذ بالوجبات الشعبية التي تباع في الشوارع. عندما تناولت بلح البحر المحشو هناك أول مرة، أحسستأنني قد وقعت على اكتشاف عظيم: فقد كان من اللذة مما دفعني إلى إنفاق بقية الأسبوع في البحث عن أفضل أنواع هذه الوجبة.
رحت أتوقف عند بائع تلو آخر، فأشتري حبة أو أكثر طبقا لجودة كل وصفة. وفي كل مرة، يقلقني سؤال واحد: كيف يمكن لطبق بهذا التعقيد والرقي أن يباع في الشوارع بمثل هذا الثمن البخس؟ تعد الوجبة بفتح بلح البحر النيء، وحشوه بمزيج من الأرز المطهو وحبات الصنوبر والزبيب والأعشاب، بمقادير دقيقة، ثم يطهوه البائع فوق البخار، فيتقلص لحم بلح البحر ويطوق الحشوة ليصبح أشبه بكرة أرز بيضاوية، سرعان ما تنزلق من الصدفة نحو فمك بسهولة، فتبتلعها بلقمة واحدة.
لم أعد أذكر أي باعة إسطنبول هو الأفضل، لكن أذكر ما حدث بعد عدة سنوات، بينما كنت على متن سفينة رحلات على طول الشواطىء التركية الجنوبية. ففي تلك النواحي، وجدت ألذ بلح بحر محشو أكلته في حياتي. حينذاك، رسى القارب في منطقة فما كان مني إلا أن نزلت ،« فتحية » وسلكت الشارع الذي يقودني بعيدا عن ميناء السفن، وإذا بي أجد عجوزا يحمل صينية من بلح البحر المحشو. كانت حلاوة الزبيب متباينة مع حدة التوابل على أفضل وجه، كما أن قطرات الليمون التي أضافها البائع قبل أن يقدم إلي الطبق قد وفرت القليل المطلوب من الحموضة المحببة. لكن لما كان الرجل لا يتكلم إلا التركية، وأنا لا أعرف كلمة واحدة من هذه اللغة، فقد تعذر علي سؤاله عن صانع هذه الوجبة اللذيذة، والأسوأ من ذلك أنه لم يكن بمقدوري الحصول على سر الوصفة. وبقيت محرومة من بلح البحر المحشو حتى سنوات لاحقة، حين اشتريت كتاب نيفين هاليشي الرائع، وكلما .« كتاب الطبخ التركي » واسمه تلذذت ببلح البحر الذي أطهوه الآن بنفسي، تنهمر علي ذكريات لطيفة عن أسواق إسطنبول الشعبية الجميلة.
|