في كتابها “أكل الهند”، تحتفي شيتريتا بانرجي، مؤلفة كتب الطعام، بمطابخ وطنها الإقليمية المتنوعة. وخلال سرد حكايتها على سوزان لو، تقول لها رجاء لا تسموا ما نأكله كاري!
ما ان يفتح القارىء كتاب شيتريتا بانرجي الأخير أكل الهند، حتى يقع في صفحاته الأولى على خريطة مفصلة للهند. وبينما هو يمرر أنامله فوق الأنهر التي خطتها يد الرسام، والتي تبدو كأفاع تتلوى على وقع موسيقى الناي، ويتأمل الحدود الشمالية الملتفة والسواحل ذات الامتداد الشاسع، سيشعر انه يكاد يتنسم بين طيات الكتاب الرحلة التي تنتظره. غير أن هذه الخريطة ليست مجرد وسيلة تساعد القارئ في مطالعته، بل إنها النقطة التي انطلقت منها المؤلفة خلال جمعها مواد هذا الكتاب، فجاءت الحصيلة رحلة طويلة بين ربوع ثقافة الأطعمة في الهند.
تقص علينا شيتريتا التي أبصرت النور في كلكوتا، وتعيش اليوم في كامبريدج - ماساشوستس، كيف ولدت فكرة كتابها، فتقول لقد مرت الخاطرة في بالي ذات يوم بشكل مفاجئ، بينما كنت أتأمل خريطة العالم. فقلت في نفسي: كم تشبه الهند أمريكا! يكفي أن تنظر إلى الخريطة كي تلاحظ هذا الأمر. أرأيت هذين الساحلين؟ يا إلهي! منذ عهود التاريخ السحيقة والناس من كل اطراف العالم يزورون الهند في الواقع، لقد استقبلت شواطئ الهند، من ناحيتيها، العديد من المهاجرين الذين استقروا على أراضيها، فأضاف كل منهم لمسته الخاصة إلى المطبخ الهندي.
ولدت شيتريتا في حقبة شهدت أحداثا مثيرة للاهتمام. وهنا، تطلق الطاهية ولدت في السنة ذاتها التي نالت فيها » الهندية ضحكة ساخرة، ثم تتابع قصتها ’أطفال منتصف الليل الهند استقلالها، أي عام 1947 ، وبالتالي أنا واحدة من وهي العبارة التي تطلق على كل من ولد منتصف ليلة 15 أغسطس من ذلك العام. ترعرعت شيتريتا ضمن أسرة هندية ميسورة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة وتتبع الطقوس الهندوسية البراهمية. غير أن أكثر ما ميز سنوات طفولتها هو فترة يصعب على المرء في » الحرمان التي خبرتها الهند بعد الاستقلال. تعلق شيتريتا المدن الهندية الكبيرة أن يتذكر هذه الأحداث اليوم، لكن الحق يقال: لقد عانت البلاد في أواخر الخمسينيات والستينيات نقصا ملحوظا في الغذاء. وخلال سنوات في الحقيقة، كان .« مراهقتي، بدأ نظام بطاقات حصص الغذاء يطبق في الهند يصعب على الناس الحصول على الأرز، وهي السلعة البنغالية الأساسية، كما أخذوا يعانون نقصا حادا في الحليب. ونتيجة لهذا النقص بدأ صناع الحلويات البنغاليون يهاجرون إلى بنغالور، حيث الحليب ما يزال وفيرا، ما أرسى مسارا تاريخيا للغذاء، لم تكتشفه شيتريتا إلا بعد سنوات لاحقة، أثناء إجراء الأبحاث اللازمة لإعداد كتابها. « مهووسون كل الهوس » عندما يصل الحديث إلى أفراد أسرة شيتريتا، فإنهم جميعا لطالما شكل الطعام جزءا مهما من » بالطعام، على حد ما جاء على لسانها. فتقول حوارنا اليومي. وكم كنت أشعر بالغرابة عند زيارة الأسر الأخرى وأجد أنها لا تعير الطعام اهتماما، وأن أفرادها يتناولون وجباتهم كيفما اتفق ودونما اهتمام. وما زاد الطين بلة أن الأمهات في تلك العائلات لم يدخلن المطبخ إلا قليلا، بل كن يتركن كل شيء على عاتق الخدم. في المقابل، ومع أن والدتي كانت مدرسة بدوام كامل، إلا أن ذلك لم يمنعها من طهو معظم الوجبات، كما انها كانت دائما تأخذ هذا الأمر على محمل الجد.
كانت شيتريتا تلميذة نجيبة وطالبة طموحة، انتقلت إلى الولايات المتحدة عندما كانت في العشرين من عمرها، لتدرس الأدب الإنجليزي في جامعة هارفارد. تعود لقد جئت إلى الولايات المتحدة في سن » شيتريتا بالذاكرة إلى الوراء، فتقول صغيرة جدا. فعشت حياة انعزالية في البداية، حيث لم يكن باستطاعتي الانضمام t وسرعان ما وقعت شيتريتا بانرجي في حب .« او المشاركة في أي من النشاطات رجل باكستاني [من بنغلادش] مسلم. وبعد الكثير من المشاكل مع العائلة بسبب اختلاف الدين تزوج الاثنان في نهاية الأمر.
كان زوجها يتابع بدوره دراسته لنيل شهادة عليا، وبالتالي لم يشعر الاثنان بأي حافز للعودة إلى أرض الوطن وتحمل عواقب فعلتهما. غير أن شيتريتا ما لبثت أن هجرت الدراسة في هارفارد. وفي عام 1972 بعد حرب الاستقلال، قرر الزوجان الانتقال إلى بنغلادش حيث عاشا بشكل متقطع طيلة تسع سنوات. لكن، بعد وصول زواجهما إلى طريق مسدود مما ادى الى انفصالهما، اضطرت شيتريتا إلى لم أكن أرغب في العودة » تحديد ما تريد فعله في حياتها. وهي تقول عن تلك الفترة إلى الهند والعيش مع أسرتي. لذا، توجهت إلى إنجلترا وعملت لفترة وجيزة مع قناة بي.بي.سي العالم كمراسلة مستقلة. ثم قدمت طلبا لإعادة الانتساب إلى جامعة هارفارد، بعد أن أصبحت أكبر سنا وأرجح عقلا، فتمت الموافقة على طلبي. وهكذا، عدت إلى الجامعة ونلت شهادة عليا، بعد وقت طويل.
عام 1986 ، بتأثير من مرور الوقت وإلحاح من والديها العجوزين، عادت إلى كلكوتا حيث شغلت وظيفة محررة مساعدة في مجلة صادرة باللغة الإنجليزية. خلال ذلك الوقت، وقعت في حياتها عدة أحداث مهمة: فقد التقت بالرجل الذي سيكون زوجها الثاني، وتلقت عرضا مفاجئا من دار ويدنفيلد آند نيكلسون لتكتب كتابا حول المطبخ البنغالي. ومع أن شعورها الأولي كان أقرب إلى الرفض، غير أنها ما تزال حتى الآن لا تصدق لم طرقت دار النشر تلك بابها في ذلك اليوم. فما كان منها إلا أن تركت وظيفتها في الصحافة، وباشرت سلسلة من الأبحاث ستسفر لاحقا عن كتاب الحياة والطعام في البنغال.
بعد فترة وجيزة، حصلت شيتريتا على بطاقة الإقامة النظامية الغرين كارد في الولايات المتحدة، بعد أن كان رئيسها السابق قد قدم لها طلبا لذلك. ولما لم لم لا نذهب ونرى ماذا » تكن من النوع الذي يفوت مثل هذه الفرصة، فقد فكرت سيحصل؟ وهكذا، بحلول العام 1990 ، كنت قد عدت إلى الولايات المتحدة، حيث وقد استقرت شيتريتا في .« صدر كتاب الحياة والطعام في البنغال في السنة التالية الولايات المتحدة منذ ذلك الوقت، رغم أنها تزور الهند كثيرا.
تجربة الهجرة كانت، كما حدث مع العديد من مؤلفي كتب الطبخ، مفيدة جدا بينما كنت أدون كتابي الأول، أدركت أنني لن أعيش حياة مماثلة » وتقول شيتريتا لما عاشه والداي أبدا، ولن يكون لي بيت كبيتهما. كل هذا قد انتهى. لذا أنا متأكدة أن الإحساس بالخسارة كان المداد الذي غذى قلمي. ففي ذهني، كنت أحاول دائما استعادة شيء ما فقدته.
وشيتريتا، التي تعد اليوم أهم مرجع حول المطبخ البنغالي، أصدرت حتى الآن المأكولات البنغالية: المواسم » : كتابين كلاسيكيين آخرين حول الموضوع ذاته أما كتابها .« إطعام الآلهة: ذكريات الطعام والثقافة في البنغال « و ،« المهرجانات فيشمل كما يوحي العنوان نطاقا أوسع، حيث يغطي ،« أكل الهند » الأحدث مناطق متباعدة كالبنجاب، وغوجارات، وكيرلا، كما يتعمق في الأنماط الغذائية لبعض الجماعات المنعزلة مثل يهود كوشين، والجماعات الإنجليزية الهندية في كلكوتا، وقبائل السكان الأصليين في شمال شرق الهند.
مراقب » في الواقع، يمتاز العمل بلمسة أكثر انطباعية، وقد كتب من منظور أي كاتبة تتمتع بفهم عميق وموضوعي للنسيج الثقافي في الهند. ،« خارجي فكانت النتيجة أن وضعت بين أيدينا كتابا، لا ندري أهو دليل أسفار، أم كتاب طهي، أم سيرة ذاتية. فهو يعتمد مقاربة أنثروبولوجية، تربط الماضي بالحاضر، وتكشف عن تعقيدات المكان، والدين، والطائفة، والتاريخ، كما يجمع بين مقدرة الراوي الفطرية على صبغ قصته بألوان خاصة وطابع مميز، ووفرة من التفاصيل التي لا تلحظها إلا عين خبيرة دقيقة.
كانت شيتريتا مدركة كل الإدراك أن هذا الكتاب سيكون مختلفا عن سابقيه.وهي كنت على يقين أنني على وشك تأليف كتاب غريب. ليس » تقر بذلك حين تقول كتابا لوصفات الطبخ، ولا بحثا نظريا، ولا حتى دليلا يعنى بالرحلات والأسفار. في بعض الأحيان، وبينما كنت أخط أفكاري على الورق، خشيت ألا يفهمه القراء. لكن سرعان ما قررت ألا أبالي بالأمر البتة، وبالمضي قدما في تأليف الكتاب الذي لطالما أردت كتابته.
لكن اتضح في نهاية المطاف أن كتاب أكل الهند مختلف كل الاختلاف عن ذاك الذي قررت شيتريتا تأليفه في البداية، كان جل ما ترمي إليه هو اكتشاف أنماط t والفريدة من نوعها، التي ميزت كل منطقة من مناطق الهند ،« الأصلية » الطبخ لقضاء على أسطورة ذلك المصطلح التافه، بشكل » بطابعها الخاص، إلى جانب كما تقول نهائي وحاسم، ونعني به الكاري.
لا شك في أنني كنت النصيرة وتشرح مؤلفة كتب الطبخ المعروفة فكرتها بالقول المطلقة لمفهوم الإقليمية. فكلما بادرني أصدقائي ومعارفي الأمريكيون بالسؤال: إذا هل ستطهين طبق الكاري من جديد هذا اليوم؟‘، شعرت أنني أتميز غيظا وما لبثت أن كاري تلفظت شيتريتا بالجملة الأخيرة وهي تشدد على كلمة نصحني زوجي قائلا: ’عوضا عن الاكتفاء بالتذمر، لم لا تكتبين عن هذا أضافت الموضوعلم لا تكتشفين فعلا ما هي حقيقة الإقليمية في الهند اليوم فإذا بهذه النصيرة القديمة لمفهوم الإقليمية تكشف النقاب عما لم يخطر في بالها شخصيا من قبل قط: بلد في حالة متواصلة من التبدل المطبخي. وقد كتبت شيتريتا، عند انطلاقها في رحلة اكتشاف الخريطة المطبخية للهند، أن مشاعرها فارس من فرسان القرون الوسطى، من الذين في تلك الرحلة كانت تماما وكأنها ينطلقون في رحلات لا تنتهي، للبحث عن وحوش همجية للصراع معها، وفتيات يحتجن إلى المساعدة، لانقاذهن، ومهام سحرية صعبة، وللعثور على الكأس كنت قد قررت البحث عن أصالة الطعام، فإذا بي وكما دونت في كتابها المقدسة شاهدة على تركيبات وتشكيلات لا نهاية لها. |