بعد مرور أكثر من 4500 عام على بناء أحدى أعاجيب الدنيا في الجيزة على يد قدامى المصريين، انطلقت مراحل بناء متحف جديد، من المتوقع أن يفوق عند اكتماله متحف اللوفر الفرنسي حجما. أندرو هامفريز يزور موقع العمل من حيث الموقع، فإن موقع هذا البناء لا مثيل له. فما الذي يمكن أن يطرح تحديا أكبر من تصميم صرح جديد ليقف بجوار أعظم الآثار المعمارية في العالم، اي أهرامات الجيزة؟ الكبير هذا الصرح الجديد، هو المتحف المصري الذي سيشكل، عند اكتمال بنائه، أكبر متحف للآثار المصرية في العالم، بل )وفقا للمزاعم( أكبر متحف للآثار على اختلاف انواعها. في الواقع، طال انتظار عشاق الآثار لهذا المشروع. فلدى مصر متحف ذاع صيته في مختلف أصقاع العالم، وموقعه ميدان التحرير وسط مدينة القاهرة. وكان المهندس الفرنسي مارسيل دورنيون قد أشرف على عملية بنائه عام 1902 ، لتحوي صالاته عشرة آلاف تحفة أثرية في ذلك الوقت. غير أن صالات العرض هذه تضم اليوم أكثر من 120 ألف تحفة، بينما تبقى عشرات الآلاف منها محفوظة في المخازن بعيدا عن الأنظار. لا بل إن العديد من هذه التحف لم تقع عليها عين منذ أن صفت فوق رفوف الأقبية. فضلا عن ذلك، لم يطرأ تغيير يذكر على صالات العرض في المتحف على مدى القرن الفائت. فبقيت متواضعة معتمة، تنيرها مصابيح الفلوريسانت الضعيفة، كما أن المبنى يعاني نقصا واضحا ليس في المعلومات المتعلقة بالتحف المعروضة فحسب، بل في بعض المرافق الأساسية أيضا، كالمراحيض الحديثة وأجهزة تكييف الهواء، في مدينة ترتفع درجة الحرارة فيها صيفا إلى 40 درجة مئوية. ولا شك في أن تأمين مكان فسيح لإيواء هذه المجموعة الفريدة من نوعها من الآثار المصرية أمر عظيم بحد ذاته، غير أن ما يميز مشروع المتحف المصري الكبير عن غيره من سائر المتاحف الفخمة الحديثة هو، بالتحديد، قربه من جيرانه القدماء )الاهرامات(. وفي ما عدا صور البطاقات البريدية التي يلتقطها المصورون من زوايا محددة ومدروسة، فان الاهرامات لم تعد تبدو مرتفعة فعلا بشموخ وضخامة في أفق الصحراء. فموجة العمران الطاغية في القاهرة تكاد تحجبها عن الرؤية وقد شملت هذه الموجة سهل الجيزة، وهو المنطقة الصخرية التي تقع فيها الآثار القديمة وسط طرق محيطة تزدحم بالسيارات. لذا يتوقع المسؤولون أن يحسن المتحف الجديد، الذي سينضم إلى الأهرامات عند سهل الجيزة، من تجربة الزوار، فيستبدل بائعي التذكارات، وأصحاب الإبل الذين يقدمون إليك رحلة على ظهر الجمال، بمنتزهات مستوية وفسيحة، ومناظر طبيعية مدروسة بدقة. من هنا، يعتبر نجاح التناغم بين القديم والجديد عاملا أساسيا، ساهم الى حد كبير في اختيار مصممي المتحف. عام 2002 ، أعلن إجراء مسابقة لوضع تصميم لمتحف بجوار الأهرام عبر صحف التجارة العالمية، كما وزعت نشرات تحمل الاعلان على السفارات، وأرسلت الرسائل الشخصية إلى حوالي 400 شركة معمارية شهيرة. وبحلول 7 أبريل من تلك السنة، كان 2,227 مكتبا معماريا من 103 دول قد سدد رسم الاشتراك البالغ 350 دولارا أمريكيا. وبعد أربعة أشهر، هي مهلة تلقي الطلبات، كان المسؤولون عن المسابقة قد تلقوا 1,557 مخططا. بعد عملية غربلة أولى، انخفض عدد المخططات إلى 265 تصميما أوليا، قبل أن تسفر عملية الانتقاء التالية عن تقليصها إلى عشرين مخططا فقط. وقد حافظ المسؤولون، وفقا لشروط المسابقة، على سرية المعلومات المتعلقة بأصحاب المخططات، وظلوا يحافظون عليها حتى أعلنوا عن المخطط الفائز. وفي مرحلة لاحقة، تسربت اشاعات بأن اسما لامعا واحدا على الأقل، كالمهندسة زها حديد مثلا، قد تأهل للمرحلة الأولى، لكنه فشل في الانتقال إلى الثانية. كما تضمنت اللائحة النهائية التي بقيت عناصرها، حتى ذلك الوقت، مجهولة بالنسبة للحكام، مزيجا من المشاهير والمبتدئين على كوب » السواء، حيث تجد مثلا شركة الهندسة النمساوية الشهيرة والفائزة بجوائز عدة والتي ذاع صيتها « هيميلبلو في ميونخ، جنبا « عالم سيارات بي.إم.دبليو » لبناء مبنى الى جنب مع طالب عمارة شاب من مصر لم يدخل المضمار العملي بعد. وفي نهاية المطاف، أعلن عن اسم هينيغان » الفائز خلال حفل أقيم في يونيو 2003 ، فكانت الشركة المعمارية التي تتخذ من دبلن مقرا لها. « بنغ أما المسؤول عن عملية الاختيار، فهو الاستاذ في الهندسة المعمارية في جامعة عين شمس في القاهرة المهندس المعماري الدكتور ياسر منصور. ومن مكاتبه ذات الأثاث البسيط عند حدود سهل الجيزة، شرح لنا سر إعجاب ،« هينيغان بنغ » لجنة التحكيم، التي ترأسها، بمخطط لقد صورت مخططات عدة المتحف مدفونا في قلب » قائلا الصحراء، وكأنه قبر ضخم، وبالتالي لن يشعر المرء بأنه يزور متحفا جديدا. ومن التصاميم ما صور المتحف مبنيا على قمة السهل، بشكل ينافس فيه الأهرامات ذاتها. أما .« المعمارية شي-فو بنغ، فلم تفعل أيا من ذلك ويضيف الدكتور ياسر أن المتحف يقع عند حدود الصحراء، حيث تبدأ الأرض بالتصاعد بشكل مفاجئ. ومعلوم أن مصر الدنيا، التابعة لسهل فيضان نهر النيل، كانت أرضا زراعية في العهود القديمة، عاش فيها الفلاحون وزرعوا الأراضي، بينما بقيت مصر العليا التابعة للصحراء المحيطة مكانا لدفن الكنوز والموتى. وقد نجح تصميم بنغ في الربط بين وفقا لهذا الاثنين بشكل مناسب، مضيفا المخطط، فان أعلى نقطة من المتحف عند أعلى الواجهة، تأتي عند مستوى أدنى نقطة من الأهرامات التي بنيت فوق سهل الجيزة. من هنا، لا مجال لمقارنة المتحف بعظمة الأهرام. أما سر تبدل الارتفاعات، فتشرحه سلسلة من التصاميم الكبيرة المعلقة على الحائط، خلف مكتب الدكتور ياسر. فهي تظهر جدارا هائلا يرتفع 50 مترا بالهواء )كواجهة الجرف وفقا لشريك المعمارية بنغ، رويسن هينيغان(، ويمتد على طول الموقع، كما يتخذ شكل مخطط هندسي دقيق ينقسم إلى أقسام مثلثة. ومن المقرر أن يكسى هذا الجدار بحجارة الجزع )أو الأونيكس(، وهي حجارة اختيرت لكونها نصف شفافة، مما يتيح لنور النهار التغلغل إلى الداخل، وللمبنى التوهج بأضوائه ليلا حين يدخل الزوار إلى المتحف يجدون أنفسهم في رواق رحب، تتفرع منه أدراج لا تقل عنه ضخامة، يصل طولها إلى 600 متر، تقود إلى صالات العرض المتنوعة. وستعرض التحف بالتسلسل الزمني، وفقا للحقبة التاريخية التي تنتمي إليها، مع الإشارة إلى إمكانية تأملها وفقا للموضوع الذي تتناوله، كالنظام الملكي والدولة، أو الحراثة والزراعة. يقول الدكتور ياسر سيتمكن الزوار، بفضل هذه الطريقة، من تتبع تاريخ الأفكار، وليس الاكتفاء بالنظر إلى التحف والإقرار بجمالها. بالإضافة إلى ذلك، سيضم المتحف الكبير متحفا أصغر حجما مخصصا لتوت عنخ أمون، حيث تجتمع، للمرة الأولى، جميع الكنوز التي كان يملكها هذا الملك المذهل، « قناع الموت » الفتى، بما فيها فضلا عن العديد من التحف الأخرى التي لم تقع عليها عين زائر بعد. كما سيتصل المتحف، بواسطة وسائل التكنولوجيا الرقمية، بسائر مجموعات الآثار المصرية المتوزعة في مختلف أنحاء العالم، كمتحف اللوفر، والمتحف البريطاني، ومتحف ميتروبوليتان في نيويورك. وعند أعلى الدرج الكبير، يستقبل زوار المتحف المصري منظر بانورامي كأنما الأهرام أصبحت » للأهرامات « موجودة في قلب صالات العرض نفسها كما جاء على لسان الدكتور ياسر. ومن المقرر أن يفتتح المتحف المصري الكبير أبوابه بحلول العام 2011 لكن عندما سلكنا الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية، والتي تمر بواجهة المتحف الكبرى، لملاقاة الدكتور ياسر، لم نجد علامة على وجود أي مبنى. هنا، في الواقع، إننا نصب يقول الدكتور ياسر كمية كبيرة من الاسمنت. لكن يجب أن يلتف المرء خلف السهل ليرى ورشة البناء الحقيقية. أما الجهة الخلفية من الورشة، فتحتلها منطقة شاسعة للخدمات تغطي مساحة 32 ألف متر مربع، تضم محطة للطاقة، ومحطة لإطفاء الحرائق، ومركزا حديثا لصيانة الآثار وتخزينها. يتألف مركز الصيانة من مستودع واسع من الاسمنت المسلح، مبني تحت الأرض، يتجزأ إلى عدة مخازن معلقة ضخمة ومختبرات رحبة، كان العمال في طور تركيبها عند زيارتنا للمكان. ويستقبل هذا المركز التحف الأثرية، سواء كانت قادمة من المتحف المصري القديم وسط مدينة القاهرة، أم من بقية المواقع الأثرية في البلاد، ويشرف الخبراء على فحصها، وتوثيقها، والحفاظ عليها ريثما يتم تجهيز المتحف الجديد. ومن المقرر إرسال المجموعة الأولى من هذه الكنوز التي لا تقدر بثمن هذا الصيف، على أن تستغرق عملية نقل الآثار كلها ثلاث سنوات، وفقا للتقديرات. أما المتحف الكائن في ميدان التحرير، فمن المتوقع أن يفتح صفحة جديدة بعد أن تدور عجلة الأعمال في المتحف المصري الكبير. فيتحول اسمه عند ذاك إلى متحف الفنون الفرعونية وسيضم بعض أهم التحف من الآثار المصرية. وسوف يكون بمثابة التمهيد الذي يدفع السياح إلى زيارة المتحف الكبير بجوار الأهرام، اضافة الى أنه سيجهز بنظام جديد للتكييف. في مرآب السيارات المجاور لمكتب الدكتور ياسر منصور في الجيزة، يطالعك تمثال ضخم لرمسيس الثاني يصل وزنه إلى 83 طنا، تحيط به السقالات ويكسوه الحديد المموج. يبلغ عمر التمثال 3200 سنة، وقد استقدم من أحد معابد ممفيس، العاصمة الأصلية لمصر القديمة، لينصب في ميدان مواجه لمحطة سكة الحديد . في القاهرة بين العامين 1955 و 2006 أما عملية نقله من الميدان، والتي بلغت تكلفتها مليون دولار أمريكي، فجاءت لإنقاذ التمثال من دخان المركبات بعد ان أخذ يفتت أحجاره يوما بعد يوم. أما الآن، فتنتظر هذه التحفة عملية نقلها الأخيرة عام 2011 ، حيث من المقرر أن تصبح القطعة الأساسية العملاقة المنتصبة في بهو المتحف الجديد. وهذا التمثال هو الأول بين 50 ألف تحفة مهيبة، يفترض أن تصل إلى مركز الصيانة، ليتم إعدادها لمأواها الجديد خلال ثلاث سنوات. واذا كان هناك حاجة لمصدر للإلهام، فسيكون كافيا بالنسبة للمهندسين والمقاولين اليوم أن يجولوا بأنظارهم عبر سهل الجيزة، وان يتأملوا الإنجاز الهندسي الهائل الذي تمكن القدماء من تحقيقه في مصر. |
|








