برج دبي هو اعلى مبنى في العالم الآن، وهو برج الرمز بالنسبة للإمارات، وقد أصبح معيارا لناطحات السحاب في المستقبل. رون غلوكمان يعتمر خوذة وينطلق لالقاء نظرة على المشروع كانت الحضارات القديمة تبرهن على عظمتها وأبهتها من خلال إقامة الأضرحة والأبراج والأهرامات الهائلة، حيث يرتبط كبر الحجم دائما مع الأهمية وعلو المكانة. ويبدو ان المفهوم نفسه ينتشر في السنوات الاخيرة حيث تتسابق الابنية في ارتفاعاتها، فلا ترتفع ناطحة سحاب حتى تظهر اخرى جديدة تفوق سابقتها ارتفاعا وتألقا. وهذا هو واقع مشهد المخططات الهندسية منذ أن أطلق برجا بتروناس في ماليزيا، عند إتمام بنائهما عام 1998 ، شرارة منافسة عالمية للفوز بلقب البرج الأعلى في العالم. أما المرتبة التالية، فقد احتلها آنذاك برج تايبيه 101 في تايوان. لكن لم يطل الوقت حتى كانت مخططات جديدة لناطحات سحاب أخرى قد أبصرت النور، مع ارتفاعها بطابق واحد أو طابقين عن سابقاتها، مهما كانت التكاليف، أملا بالفوز باللقب. وما يزال برج دبي يشق طريقه إلى الأعلى، دون أن تبدو قمته حتى الآن، لكنه مع ذلك تفوق على كافة ناطحات السحاب السابقة، فهو أعلى من برج تايبيه 101 بأكثر من 100 متر، وتجاوز أبراج بتروناس وسيرز بنحو 150 مترا. وفي مارس الماضي، بلغ ارتفاع الجزء النحيل من هذا البرج المتألق 160 طابقا، أي أكثر بحوالي 50 بالمائة من أي برج آخر، بما فيها مبنى الإمباير ستيت الشهير في نيويورك. وفي نهاية ذلك الشهر كسر البرج الرقم القياسي السابق للارتفاع وهو 630 مترا، مما جعله أعلى مبنى يبنيه الإنسان على وجه الأرض. ولعل الأمر الأكثر إثارة وعجبا، هو أن لا أحد يعرف الارتفاع النهائي الذي سيصله هذا المبنى المهيب. ويقول غريغ سانغ، مدير المشاريع في شركة إعمار العقارية، وهي صاحبة برج لن ندلي بأي تعليق، باستثناء » دبي التأكيد على أنه سيكون الأكبر عند من جهته، وعد إريك .« انتهاء عملية بنائه توميك، أحد المهندسين في شركة (SOM) « سكيدمور، أوينغز، ميريل » الأمريكية التي صممت المبنى، أن البرج سيرتفع لسبعمائة متر في الهواء على الأقل. أما كبير المهندسين أدريان سميث، فيقول إن قمة معدنية في أعلى البرج قد تساهم في زيادة ارتفاعه ليتجاوز ال 800 متر. وخلال جلسة حول مائدة عشاء في دبي اسر لنا قائلا سوف تتألف القمة المعدنية المستدقة من أربعين طابقا أو أكثر. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القمم شائعة في المباني الشاهقة التي يتحدد طولها، لا وفقا للطوابق القابلة للسكن فحسب، بل باحتساب عناصر تعتبر مكملة للبناء الهندسي ككل أيضا. وأضاف سميث ليس الحجم وحده جل ما نصبو إليه، بل يهمنا كذلك الوصول إلى الاكتمال، وإنشاء برج شاهق بكل ما للكلمة من معنى. أما السبب في ذلك، فهو بناء معلم لامع وقوي، لا بالنسبة لدبي فحسب، بل للشرق الأوسط بأكمله. كنا جالسين في باحة مطعم يقع وسط المدينة، ويطل على منظر أخاذ للمبنى الذي لا يزال قيد الإنشاء. يقع برج دبي في قلب مشروع داون تاون دبي المقدرة تكلفته بحوالي 20 مليار دولار، ويضم هذا المشروع عدة فنادق، ومكاتب، وأحياء سكنية، مع إطلالة رائعة على البرج العملاق. وأردف سميث لقد قلنا، منذ البداية، إننا أمام خيارين: إما أن نمنى بفشل ذريع، أو نحقق انتصارا ساحقا. وكان برج دبي، في مسيرة تحوله ليصبح أطول برج على الأرض، قد حطم عدة أرقام قياسية. فمحوره الرئيسي مبني من الاسمنت المسلح، حيث ضخت مواد البناء إلى ارتفاعات جديدة. لكن نظرا لسرعة ارتفاع هذا البناء، فقد دعت الحاجة إلى تطوير نوع خاص من الاسمنت، يتسم بما يكفي من المرونة لضخه عبر الخراطيم، ويجف بوتيرة سريعة في الوقت ذاته. وهكذا، من خلال ضخ الاسمنت إلى ارتفاع يبلغ 600 متر، أي أكثر ب 150 مترا عن المشاريع السابقة، فإن ما يوازي الخمسة آلاف عامل في ورشة البناء قد تمكنوا، وفقا لكلام توميك، من الالتزام بجدولهم الزمني الطموح، حيث أخذوا يبنون طابقا جديدا كل ثلاثة أيام. وسوف يتمتع الداخل إلى المبنى، عند افتتاحه رسميا السنة القادمة، بعد إنفاق 22 مليون ساعة من العمل فيه، بأسرع مصاعد في العالم. فمن المتوقع أن تتحرك هذه المصاعد بسرعة 18 مترا في الثانية )فتفوق مصاعد برج تايبيه 101 ، الأسرع سابقا، بمعدل متر واحد في الثانية(. كما يجري بناء مصعد خاص سريع جدا ينقل الزائر مباشرة إلى المكاتب عند الطابق 123 . وكان من الممكن أن تحطم هذه الرحلة كل الأرقام القياسية، لولا أن البرج سيؤمن أيضا مصعدا للخدمة، يجتاز ما مجموعه 138 طابقا دفعة واحدة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للزائر، إذا وقف على سطح المراقبة الأعلى ارتفاعا على الكوكب )أي عند الطابق 124 من برج دبي(، أن ينقل نظره حتى مسافة ثمانين كم إذا كان الجو صافيا، كما باستطاعته أن يلمح الموقع الذي تتقوس عنده الأرض. من جهتهم، يتابع سكان دبي بإعجاب التغييرات اليومية التي تطرأ على ظلال المبنى السريالية. وهنا، يعلق إنه » سميث على جمال المنظر، فيقول أمر رائع. ففي ساعات الصباح الأولى، وبداية العصرية، يصبح الضوء ساطعا، وذا انعكاسات خلابة. يقوم تصميم سميث على وضع المنشآت الأخرى في مشروع الداون تاون بطريقة عنقودية ذكية لتتخذ شكلا متدرجا، يشبه وفقا للبعض، أجنحة تحيط بالمبنى الذي يماثل الصاروخ شكلا. وإلى جانب تأمين مناطق مميزة، لكل منها مدخله ومخارجه الخاصة، كمنطقة المكاتب، والشقق السكنية، وفندق أرماني الأول من نوعه، فلهذه المنشآت العنقودية مجموعة متنوعة من الفوائد الهندسية. كيف لا وهي تساعد على التلطيف من عوامل الرياح، وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة لكل المباني الشاهقة. كانت الاختبارات ونماذج المحاكاة قد حددت بالضبط المواقع حيث يمكن للمصدات المرتفعة أن تردع الرياح عن بلوغ سرعة خطيرة عند مرورها بسطح البرج، ما يتيح للمهندسين الاستغناء عن الأنظمة الضخمة التي تحافظ على توازن البنيان، كالبندول في برج تايبيه 101 أو الجسر المعلق بين برجي بتروناس. وهذه من المشكلات الدائمة التي تواجه المهندسين عندما يسعون إلى بناء العمارات الشاهقة. فحتى سميث نفسه، مع مجموعة من أبرز مهندسي ناطحات السحاب، يشبه الأمر بإطلاق كلما بنينا ناطحة » سفينة فضائية، فيقول سحاب، زدنا مخزوننا المعرفي بحوالي وفي حالة برج دبي، اكتشف 10 % سميث أن الحرارة في الطوابق العليا كانت أدنى بعدة درجات عنها في الطابق كان بإمكاننا الاعتماد » الأرضي، وأضاف أما .« على ذلك للمساعدة بتبريد المبنى غوردون غيل، الشريك بالشركة الجديدة فيقول ،« أدريان سميث + غوردون غيل » يجب أن تكون المباني أكثر اعتمادا على التصاميم البيئية في المستقبل ويشتمل برج دبي على نظام تكثيف، يقوم باستخراج الماء من الهواء الصحراوي الجاف. ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى 20 مليون غالون من المياه - إنتاج 30 لا » سنويا. في هذا السياق، يقول سميث شك في أن هذا الأمر بالغ الأهمية في بيئة مثل دبي، فكل قطرة من المياه لا تقدر بثمن. ويعتبر البرج هو المحور الأساسي في مشروع داون تاون برج دبي الذي تعمل شركة إعمار على تطويره بتكلفة 20 مليار دولار. ويشمل هذا المشروع العديد من الشقق، والفنادق، وأماكن الترفيه، فضلا عن أكبر مركز تجاري في العالم، يعرف باسم دبي مول. وعن هذا يقول سانغ لا شك في أن البرج يضاعف من قيمة كل ما يحيط به. ونحن نشعر أن شركة إعمار قادرة على جني هذه القيمة من الأماكن المحيطة بالبرج. ويردف سانغ أن الأمر يشكل، بكل بساطة، المرحلة الأحدث من سباق أبدي أصبح على مستوى عالمي. إن المناطق التي تبنى فيها ناطحات » ويشرح ذلك بالقول السحاب تكون غالبا تشهد مرحلة من الازدهار الاقتصادي كما كان الحال في الولايات المتحدة خلال العشرينيات. ثم انتقل الدور في الثمانينيات والتسعينيات إلى النمور .« الآسوية. أما اليوم، فقد آن أوان الشرق الأوسط غير أن سانغ يقر أن البرج، رغم تقدمه الهائل في المنافسة على لقب أعلى مبنى في العالم، إلا أنه لن يحافظ على لقبه إلى الأبد. أو قل إنه لن يحافظ عليه طويلا. فقد بدأت التقارير تتحدث، منذ الآن عن إنشاء أبراج أكثر ارتفاعا في مختلف أنحاء الخليج. ومن هذه الأحاديث، خبر ظهر في مارس الماضي مفاده أن الأمير السعودي الوليد بن طلال، الذي يملك فندق سافوي في لندن، يخطط لبناء برج بارتفاع ميل كامل )حوالي 1600 متر(، قرب مرفأ جدة المطل على البحر الأحمر. لكن هذا لم يثن المهندسين عن إنجاز طموحهم. فوفقا مبالغ طائلة لتضمن لتوميك، أنفقت شركة إعمار الجودة العالية، وهي تنشئ معلما مهما يدوم لعقود قادمة. ويضيف سميث حتى لو توقفنا عند هذا الارتفاع اليوم، فسوف يبقى البرج مبنى عظيما. ويبقى السؤال إن كان سيصبح مبنى ساحرا ايضاً. |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |








