الانواع المتعددة للمياه المعدنية التي تقدمها المطاعم الراقية، أثارت دهشة غاي دايموند ولكن ذلك لم يجعله يغير اختياره المفضل والأقل تكلفة ماذا يمكن ان يكون ثمن الماء؟ في بعض المناطق الريفية في الهند، يمكن ان يكون ثمنها بكل بساطة هو الارواح. قبل نحو عشرين عاما، كنت أعمل مع منظمة خيرية في قرية نائية في الهند. لم يكن هناك كهرباء، ولا رعاية طبية ولا صنابير مياه. ومع ذلك فيمكن ان اقول انني كنت من المحظوظين، اذ ان منظمة “نيو غانديان” الخيرية التي كنت اعمل معها دفعت لي ثمن توفير مضخة يدوية لضخ المياه، وهكذا، ففي قريتنا كان بإمكاننا ان نضخ المياه النظيفة الصالحة للشرب من مكامنها بين الصخور على عمق كبير تحت الارض. وبسبب ذلك لم يصب اي من السكان في قريتنا بالزحار او التهاب الذي يسببه شرب المياه الملوثة، وكانت قريتنا تدعى “لال وادي” A الكبد وتعني “القرية الحمراء”، لان اسقف منازلها مصنوعة من القرميد الاحمر بدلا من الاسقف المصنوعة من قش الارز الاكثر شيوعا (والتي تعج بالبعوض). والمرضان اللذان اشرت اليهما سابقا من الامراض التي يمكن ان تقتل الأطفال، وهي مزعجة جدا بالنسبة للبالغين، وانا شخصيا أستطيع أن أؤكد ذلك، فقد اصبت بالمرضين المذكورين خلال سفري في الهند. القرية المجاورة، وتدعى ”شيلار وادي“ كانت اقل حظا من قريتنا، فهي لم تكن
تملك المائة دولار امريكي التي يكلفها تركيب مضخة يدوية. وعلى سكانها ان
يحصلوا على المياه من الآبار، والتي تلوثت اثناء فترة الرياح الموسمية. في الحقيقة،
كانت تلك القرية تستخدم ثلاثة آبار، وبما ان المياه الجوفية انخفضت خلال
الموسم الحار ، فقد كان على نساء وأطفال القرية ترك البئر الاقرب والسير ابعد عبر
الوادي الى الآبار التى ما زالت تحتفظ بالمياه. وقبيل عودة الرياح الموسمية كان
عليهم المشي لميلين في اليوم من اجل الحصول على المياه الضرورية للاستهلاك
اليومي في الطبخ والشرب والغسيل.
عشرون عاما مرت على كل ذلك، لم أعد اعمل في مشروع لزراعة الحراج في الريف الهندي النائي، وانما في تقييم المطاعم في لندن والكتابة عنها للمجلات والصحف. وفي مكان اقامتي الحالي (اي لندن)، يمكن ان يبلغ سعر زجاجة المياه المعدنية من 6 الى 8 دولارات في بعض المطاعم الراقية في هذه المدينة. ولم يحصل ابدا انني طلبت واحدة، فأنا ببساطة لا استطيع فعل ذلك، فثمن صندوق من هذه الزجاجات يعادل ثمن المضخة اليدوية التي يحتاجها سكان قرية ”شيلار وادي“. مياه الصنابير في لندن تناسبني تماما، فهي نظيفة، مجانية، متوفرة بشكل كاف، والأهم، بالنسبة لشخص يعتمد حاليا على ملكات التذوق لديه من اجل تأمين عيشه، فان الاختلاف جد بسيط بين طعم مياه الصنابير والمياه المعدنية. وفي اجتماع خاص لتذوق أنواع المياه ساهمت به حديثا، حيث تم تذوق عدة زجاجات مياه دون التمكن من رؤيتها، وبالتالي دون معرفة اسمها التجاري أو مواصفاتها، وهي في درجة حرارة الغرفة. تمكن فريقي من المتذوقين من تمييز اختلافات بسيطة فقط، ولكن لا احد تمكن من تحديد انواع المياه ومصادرها. والأهم من ذلك، ان غالبية المتذوقين لم يتمكنوا من معرفة اي ماء هو من صنابير لندن، وأيه من زجاجات المياه المعدنية الغالية الثمن. وبالعودة الى ملاحظاتي الخاصة عن التذوق، فقد وجدت، وفي مفارقة مثيرة للسخرية حقا أن ماء الصنبور كان المفضل لدي، ولعل ذلك يرجع الى انني معتاد على طعمه. ارتفاع سعر المياه المعدنية وحملات التسويق والطريقة الصعبة في بيعها في المطاعم بالنسبة للمستهلك، كل ذلك يبدو امرا خاليا من الرحمة، فقبل بضعة اعوام وفورا عقب دخول الالفية الثانية، قام صاحب مطعم ”ألان دوكاس“ باضافة قائمة خاصة بأنواع المياه الى مطعمه ”ألان دوكاس“ في ”اسيكس هاوس“ في نيويورك حيث تبلغ كلفة الوجبة للشخص الواحد نحو 200 دولار امريكي، بحيث اصبح هناك نصف دزينة من انواع المياه المختلفة، كل نوع موضوع في قارورة خاصة مصنوعة من معدن غير قابل للصدأ. وسرعان ما تبعته مطاعم اخرى في نيويورك في ما أصبح تقليعة جديدة. على هذا الجانب من المحيط الاطلسي، اي الجانب الاوروبي، اطلق فندق ”كلاريدج“ في حي مايفير اللندني الراقي، مؤخرا، قائمة المياه المعدنية الاكثر اثارة للتعجب حتى الآن، حيث تقول المواصفات الخاصة بكل نوع ، ان هذه المياه هي من الانهار الجليدية في القطب الشمالي، او من مياه الامطار في تسمانيا، او مياه عذبة ضخت من تحت مياه البحر المالحة في قاع المحيط الهادئ، بل توجد ايضا مياه من فيجي، واليابان، والنرويج. بل ان هناك، كما لاحظت وقد جف حلقي دهشة، مياه من ينابيع تلال نيلجيري في الهند، وبثمن يبلغ 42 دولارا للزجاجة الواحدة، اي اكثر مما كنت أحصل عليه كراتب شهري قبل عقدين من الزمن. صحيح، ان وجود عدة اختيارات متاحة امامنا هو شيء عظيم. ولكن في نهاية المطاف، فان الموضوع كله، ومهما تعددت الاحتمالات، يبقى في جوهره مجرد ماء تمت تعبئتة داخل زجاجة، حتى وان كانت تعبئة المياه ونقلها عبر العالم قد تمت بتكلفة باهظة، سواء بالنسبة للبيئة، او بالنسبة للمستهلك. وحسب تقدير ات المنظمة الخيرية العالمية ”ووتر أيد“ فان سدس سكان الكرة الارضية لا يحصلون على مياه نظيفة صالحة للشرب، وحوالي 5000 طفل يموتون يوميا جراء امراض تسببها المياه الملوثة وسوء حالة المرافق الصحية. في حين لا تزيد تكاليف توفير حياة نظيفة ومياه الشرب النقية لفقراء العالم مدى الحياة عن 30 دولارا للفرد الواحد. فكر بهذا في المرة القادمة عندما يسألك النادل اذا كنت تريد ”مياها غازية ام خالية من الغازات؟“ وتذكر ان ثمة خيار ثالث بدون بهرجة يتلخص في عبارة ”مياه صنبور، لو سمحت”. غاي دايموند هو محرر صفحة ”شراب وطعام“ في مجلة ”تايم آوت لندن“ |
![]() ![]() |



