|
توم باركر يزور واحة غريبة في ضواحي كلكتا المزدحمة، ويستمع الى الحكايات عن تاريخها الفريد والدور الذي يقوم به الناس حاليا من أجل حمايتها يحلق طائر الرفراف ذو الصدر الأبيض (رمز بلاد غرب البنغال) بزهو فوق مياه المستنقعات الضحلة بحثا عن غذائه من السمك، بينما ينعكس لونه الفيروزي البديع فوق مياهها. وينتشر الماء هناك على مد البصر في 250 بحيرة ضحلة تعرف باللهجة المحلية باسم ”بيريز“، تتصل ببعضها البعض لتغطي مساحة تبلغ 12,500 هكتار من الأراضي، ويعيش حولها 33 نوعا فريدا من الطيور المهاجرة و 20 نوعا من الثدييات و 42 نوعا من الأسماك. ولا يصدق كثير من الناس أن هذه المنطقة لا تبعد سوى ثلاثة كيلومترات عن ضواحي كلكتا، المعروفة تاريخيا بأنها مركز الازدحام والفوضى والمعاناة الإنسانية. إنها منطقة تعرف باسم مستنقعات شرق كلكتا. عندما تسافر إلى تلك المدينة جوا وتنظر إليها من نافذة الطائرة، ستشاهد بالتأكيد تلك المستنقعات إلى جنوب المدرج مباشرة، وهي منطقة ذات اتساع هائل يعادل نحو ثلث مساحة المدينة تقريبا. ومما يؤسف له أن قلة من زوار المنطقة يغامرون بالتوجه إلى شرق المدينة، كما أن العثور على سائق سيارة أجرة يعرف كيفية الوصول الى تلك المنطقة أمر بعيد الاحتمال. بل والأعجب من ذلك، أن هذه المنطقة ذات الجمال الطبيعي الأخاذ هي أكبر محطة طبيعية لمعالجة مياه الصرف الصحي على سطح الأرض. وخلال المائة عام الماضية، وبسبب حاجة سكان المنطقة للأسماك، فقد كانوا يقومون عن غير عمد بتنظيف ملايين اللترات من النفايات العضوية التي تنتجها كلكتا، مستفيدين من قدرة الطبيعة على التنقية. لكن الأخطر هو عدم إدراك أحد لأهمية ما يقوم به هؤلاء حتى العام 1980 ، عندما استطاع أحد المهندسين العاملين في الحكومة الوصول إلى تلك المنطقة مصادفة. وفي ذلك الوقت، كانت مصلحة البيئة قد كلفت الدكتور دروباجيوتي غوش بمهمة البحث في أنحاء البلاد للعثور على نموذج ملائم يمكن لكلكتا الاعتماد عليه لإنشاء نظام جديد لمعالجة مياه الصرف الصحي. ويعلق الدكتور غوش على هذا الموضوع قائلا ”لم أكن أعلم أبدا انني لست مضطرا لمغادرة حدود كلكتا للعثور على الحل المطلوب، ولا أحد في ذلك الوقت كان يعلم ما يحدث للصرف الصحي، لذا قررت أن أتتبع مساره وهو ما أتى بي إلى هنا“. وعندما رفع النتائج التي توصل إليها إلى أستاذه ريتشارد ماير من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، رد عليه الأخصائي البارز في المجال البيئي قائلا ”إذا استطعت قضاء السنوات العشر المقبلة من حياتك هناك فلا شك أنك ستترك أثرا بارزا في التاريخ“. ومنذ ثلاثين سنة تقريبا، لا يكاد يمر يوم دون أن يضع الدكتور غوش قدمه في منطقة المستنقعات تلك. ولفهم المعالجة بطريقة علمية، لا بد من العودة إلى مسيرة تطور المنطقة عبر التاريخ. تشكلت مستنقعات بيريز قبل نحو 350 سنة نتيجة ارتفاع منسوب المد في نهر بيدياداري، مما أدى الى تدفقه إلى خليج البنغال، وهو منطقة واسعة مالحة وكانت تعرف باسم ”البحيرات المالحة“. وخلال ال 250 عاما التالية تراكم الطمي وأدى ذلك الى ان النهر غير مجراه، ومع مقدم عام 1900 توقف عن التدفق، ونتيجة لذلك اختف ملوحة المستنقعات نهائيا. وترك النهر في مجراه منطقة مملوءة بالمياه الضحلة مع عدد من فصائل السمك المعزول فيها، فتزاوجت معا عبر الزمان، ونتج عن ذلك بيئة فطرية فريدة. وتزامن ذلك مع إنشاء البريطانيين لأول شبكة صرف صحي في المدينة، تدفقت نحو الشرق نتيجة لطبيعة وميل أراضي المنطقة الى المستنقعات. وقام صيادو الأسماك ببراعة بإنشاء شبكة معقدة من فتحات التصريف والبحيرات للتعامل مع التدفق الجديد القادم من مياه الصرف. وباستخدام الأساليب التي ما تزال متبعة إلى اليوم، يتم التحكم بكمية النفايات العضوية التي تدخل كل بركة من خلال نظام البوابات والمصافي المصنوعة من الخيزران. وعندما تنشأ البكتيريا في البرك التي تعيش فيها الأسماك فإنها تحلل مياه الصرف الصحي، وتستهلك الأكسجين لتنتج بدلا منه ثاني أكسيد الكربون. وتتكاثر الطحالب على ثاني أكسيد الكربون وتطلق الأكسجين من جديد. وتوفر الأعداد الوفيرة من الطحالب أيضا مصدرا مهما للغذاء تعيش عليه الأسماك. يقول الدكتور غوش بحماس ”لقد قام الناس هنا بتطوير تقنية فريدة من نوعها، إنها دورة حياة طبيعية بالكامل لا يمكن العثور على مثيل لها في أية مدينة أخرى. وأكثر ما يثير السخرية أن ذلك يحدث هنا في كلكتا“. ومع قرب هذه المستنقعات من منطقة سكنية يقطنها 10 ملايين شخص، فإن دورها لا يتوقف هنا، حيث يعتمد أكثر من 100,000 شخص على هذه المنطقة لتدبير أمور معيشتهم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر: حيث يتم يوميا صيد أكثر من 30 طنا من الأسماك، ويتم جني 150 طنا من الخضراوات، وهي المواد الغذائية الأساسية في مناطق غرب البنغال. تعيش معظم العائلات في هذه المنطقة منذ أجيال، وتتعاون مع البيئة من حولها. وليس مفاجئا أن الجميع بغض النظر عن دياناتهم يحترمون الرمزين ”بومبيبي“ و“ماكالتاهكور“، اللذين يعتقدون أنهما يحميانهم من أخطار عوامل الطبيعة. لكن التهديد الرئيسي للمستنقعات لا يأتي بالطبع نتيجة لغضب من هذين الزمزين اللذين توارث السكان تقديسهما، بل من التوسع المضطرد الذي يشهده غير Safeinch اقتصاد الهند. ويبدي الدكتور ديبايان داي، مؤسس منظمة الحكومية اهتمامه بالطبيعة الساحرة في تلك المنطقة منذ أن وضع قدمه فيها لأول مرة قبل سنتين، ولم يستطع منذ ذلك الحين الابتعاد عنها. ويقول ”إن لا مبالاة المسؤولين حيال إدارة المستنقعات بالشكل الصحيح قد يهدد مستقبلها على المدى البعيد“. ويقول الدكتور داي انه قد وجد نفسه مضطرا للتدخل بعد أن توقف تقريبا تنفيذ الدولية لإنقاذ المستنقعات، نتيجة إخفاق حكومة غرب RAMSAR اتفاقية البنغال في وضع خطة محكمة لتنظيف الموقع من مكب النفايات بموجب منحة مقدارها 1.5 مليون دولار أمريكي قدمها مصرف التنمية الآسيوي. ويقول الدكتور داي ”مع اعتماد المدينة على المستنقعات لمعالجة مياه الصرف الصحي، فإنها بحاجة لاحترام القوانين العلمية التي يتم بموجبها تنفيذ عملية التنقية“. وتتمثل المشكلة الرئيسية في تجمع الطمي بشكل متسارع في قاع البرك، وهو ما يعد تأثيرا جانبيا للتوسع الصناعي في المنطقة. وعلى الرغم من أن إطلاق النفايات الصناعية في قنوات الصرف الصحي العضوي غير قانوني، فإنه لا يتم مراقبة ذلك من قبل الهيئات المسؤولة وفقا للدكتور داي الذي يقول ”المشكلة هي أن لا أحد يدرك مدى أهمية الدور الذي تقوم به المستنقعات. إذا فقدنا تلك المنطقة، سنفقد أسباب الحياة لسكانها، وسيتدنى المنسوب المائي، ولن تتم معالجة مياه الصرف الصحي الخام“. وفي الواقع، فقدت العديد من البرك ٪ 20 من عمقها بسبب الطمي، ونتيجة لذلك نقصت أعداد الأسماك التي تعيش فيها أيضا. وبسبب افتقار المنطقة للبنية التحتية فإن وصول الشاحنات الضخمة إلى المنطقة لإزالة الطمي أمر شبه مستحيل. ومن المشكلات الرئيسية الأخرى، التهديد الذي يتسبب به المطورون العقاريون الباحثون عن مواقع جديدة لاستيعاب العدد المتزايد من السكان في المدينة. ومن الطبيعي تماما أن يتجه هؤلاء إلى الأراضي الرخيصة والواسعة ظاهريا. ويبلغ المعدل الحالي للتوسع العمراني والتطوير العقاري فوق المستنقعات نحو ٪ 1 سنويا. ويقول الدكتور غوش بأسف ”تمتاز هذه المستنقعات الجميلة بقربها الشديد من المدينة، ولكن هذا الأمر تحديدا قد يكون سببا في اندثارها. إنها حالة يكون فيها المال هو العدو الأول“. وفي مسعى من مؤسسة “سافينش”للفت انتباه سكان المدينة إلى المستنقعات وضرورة الاهتمام بها، وتوفير مصدر بديل للدخل لسكان المنطقة، تطلق المؤسسة مبادرة بيئية سياحية حظيت بمنحة صغيرة قدمتها الحكومة البريطانية مقدارها 30,000 دولار أمريكي. ويقول شيرانجيت شاترجي، مسؤول التنمية الاجتماعية في المؤسسة ”ان الامر يتعلق بزيادة الوعي بين صانعي القرار في مجتمعنا، ولو تم هذا فسيكون خطوة قد تحدث أثرا مهما“. عندما تزور منطقة المستنقعات، ستشعر بالشغف والحب العميقين اللذين يكنهما الجميع لهذه البيئة الفريدة، فهي تمثل موقعا ساحرا لزوار المدينة، وواحة شبه منعزلة تقومبالقرب من منطقة مزدحمة مليئة بالفوضى. ولنأمل أن تحافظ على وضعها هذا في المستقبل. |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |












