كيفن هاولد يتذوق في لبنان منتجات أحد أشهر مصانع النبيذ وأكثرها عراقة في العالم
القيام برحلة في لبنان، يشبه محاولة حل معادلة جبرية، فليس من المؤكد أن تتكلل جهودك في كلتا الحالتين بالنجاح. هنا، تطالعك الجبال في كل الاتجاهات، منها جبال شامخة مليئة بالعنفوان، وأخرى مكسوة بغابات الأرز القديمة، وكلها تبعث على الارتباك فلا تدري أين تولي وجهك. أما الحواجز الأمنية فمتنوعة أيضا، بعضها يقوم عليه مجموعة من العسكريين غير المنتظمين المنتشرين كيفما اتفق، وأخرى يسهر عليها جنود مفعمون بالحيوية، ويقيمون تحت سقف مطلي بأناقة، وهي في كلتا الحالتين توقف السيارات بطريقة عشوائية. في هذه الأجواء، يقوم سيرج هوشار بزيارة إلى كرومه في وادي البقاع، وهي رحلة قد تستغرق ساعتين من بيروت، أو يوما بطوله ”هو وحظو“ كما يقول بلهجته المحلية.
ذاع صيت سيرج في لبنان والعالم بأجمعه بصفته صانع نبيذ مميز، وصاحب مهارة نادرة في هذا المجال. أما العلامة التجارية التي يديرها، فتعرف ب“شاتو موزار“، وكان قد أسسها والده غاستون عام 1931 . في هذا السياق، يعلق سيرج متواضعا، بلهجة إنجليزية مرحة ذات مسحة فرنسية خفيفة ”نبيذنا ليس إلا تعبيرا عن العناقيد التي صنع منها. فمن أكون أنا لأبدل مجرى الطبيعة؟ لا أتلاعب بنبيذي، بلكل ما افعل هو ان أوليه كل ثقتي. وإنني أراهن على أن الوقت يتيح
له الارتقاء بمذاقه“.
قدمت عائلة هوشار إلى المنطقة إثر الحملات الصليبية، فوصلت إلى لبنان قادمة من فرنسا خلال القرن الخامس عشر. ومنذ ذلك الوقت، وهي تعيش في جبل لبنان وحوله، ونمت العائلة بهدوء في ظل ولاية سلسلة من الحكام. وما لبث أفراد هذه العائلة أن عملوا في الصيرفة، وجمعوا احتياطيا كبيرا من الذهب، أقرضوه للسلطان العثماني خلال الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 و 1918.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، سدد السلطان مبلغ احتياطي الذهب على شكل أراض، وعملات ورقية سرعان ما فقدت قيمتها. فما كان من غاستون هوشار إلا أن بدأ يزرع العنب في قسم من هذه الأراضي، عساه يصنع نبيذا على مستوى كبير بشكل يحيي ثروة العائلة. ولما كان غاستون قد اضطر أيضا إلى مزاولة التجارة، فقد صدم بغرق إحدى سفنه المحملة بالبضائع الجلدية عام 1931 ، عندما اصطدم بها طوربيد أطلقته الغواصة ”يو بوت“ الألمانية. ويذكر ابنه أن الألمان قدموا إلى الرجل المسكين سيارة مرسيدس ضخمة، كطريقة للتعويض عليه. فراح يشق طريقه بين طرقات جبل لبنان في مقاعدها الجلدية الوثيرة، وظل يستخدمها حتى حلول الستينيات.
تقع كروم موزار على ارتفاع ألف متر عن سطح البحر في البقاع الغربي، مما يجعلها، وهنا الغريب، كائنة عند الجهة الجنوبية لهذا الوادي الرحب المهيب. أما الناحية الشرقية والشمالية من سهل البقاع، حيث الحدود مع سورية، فتمتاز بمناخ جاف ومغبر، كأنما تتوافق مع وجهة النظر الغربية عن منطقة الشرق الأوسط حين تصورها كمنطقة جافة. كما أن معابد بعلبك المدهشة، وهي إحدى الأعاجيب السبعة في العالم القديم، تشرف على الجهة الشرقية من الوادي. من هنا، لا تكتمل رحلة سيرج إلى كرومه من دون قضاء بعض الوقت في التنزه والتفرج على اطلال معبد باخوس، إله النبيذ القديم تجدر الإشارة إلى أن القرية المحاذية لبعلبك قد تعرضت لأضرار جسيمة خلال الصراعات المسلحة الطويلة في لبنان. ومع أن السلام قد عم اليوم، إلا أن الأمر لم يكن دوما على هذه الحال. يقول سيرج ”خلال الحرب الأهلية التي استمرت عشرين عاما تقريبا، كنا نتمكن، بطريقة أو بأخرى، من قطاف العناقيد سنويا، باستثناء سنة واحدة، كانت فيها الكروم مسرحا للمعارك. لكن خلال بقية السنوات، كانت الأطراف المتصارعة تدعو إلى هدنة في وقت القطاف. لذا حتى عندما يبلغ القتال أشده، لم ينتهك أحد حرمة كرومنا قط“.
يعتبر البقاع الغربي أرضا خصبة وغنية من الحقول الذهبية والكهرمانية اللون والخضراء، وكأنه لوحة رسمت بريشة الرسام الشهير كليمت. هناك ترعى نساء البدو قطعان الماعز الأسود ذو الآذان العريضة، في حقول القمح بعد الحصاد. أما دوالي العنب، فبعضها في كروم مغلقة، وبعضها الآخر منتشر عبر القرى المفتوحة، وهي تزدهر في ظل مناخ الوادي المحلي الآمن. وإلى الجنوب، تلوح مرتفعات الجولان والجليل. يقول سيرج، وهو يشير إلى قرى كفريا وعميق وعانا التي تزدان كنائسها بكروم شذبتها أيد محبة ”لا بد من أن يسوع قد سار على هذه الدرب مع أتباعه، وشرب الخمر من كروم كهذه أيضا“.
بالفعل، فان الارض تشبه تماما ما كانت عليه ايام يسوع المسيح قبل اكثر من الفي عام، فلا أثر من القرن الواحد والعشرين يمكن أن تجده هنا، لا محطة تلغراف ولا برج كهرباء أو هاتف يعكر صفو هذا الوادي الخالد، حيث درج السكان على تحويل العنب خمرا منذ حوالي أربعة آلاف سنة قبل الميلاد. وما لبث الفينيقيون أن صدروا الخمر إلى مناطق اليونان وإيطاليا، ومنها انتشر إلى سائر أنحاء العالم. مما لا شك فيه أن ”الحمض النووي“ لعنب البقاع الأصيل ما يزال يسري في الكروم الخصبة المستخدمة لصنع أجود أنواع النبيذ في العالم، مع الإشارة إلى أن ”شاتو موزار“ هي المخمرة الوحيدة التي ما زالت تنتج العصائر من هذه الأنواع العتيقة من العنب.
يتذوق سيرج حبات العنب اللذيذة، وهو يتناقش في أمور المزرعة مع كبير العمال، قبل أن يتناول غداءه البسيط اللذيذ المؤلف من الخبز العربي واللبنة، مع الخيار الطازج، وبعض من الزيتون والزيت. بعد ذلك يعود أدراجه إلى بيروت، وهو يقود بحذر على طول الطريق المتعرجة، حيث الشاحنات بحمولاتها الفائضة، وسيارات الشيفروليه بمحركاتها المرتجفة، والحافلات الصدئة، تمارس لعبة الموت عند المنحدرات التي يلفها الظلام.
تعيش أسرة هوشار في أدما، أي الوسط الأنيق للمجتمع المسيحي الماروني، في بيت على التل بناه سيرج نفسه. يمتاز هذا المنزل الأنيق جدا بمشاهد خلابة تطل على الناحية الشرقية من المتوسط. وبإمكان المرء أن يلمح، عبر الوادي، هناك عند منحدرات جبل لبنان، قرية خسير ومخمرة ”شاتو موزار“. تتسم المخمرة بأجواء هادئة، بينما سيرج يذرع المكان عبر مخزن مقنطر، حافل ببراميل من خشب السنديان، ترشح ثقوبها ببقع النبيذ. وما يلبث أن يتوجه نزولا نحو قبو ضخم مبني داخل الصخر. في هذه الأجواء الرطبة والباردة، وأشعة الضوء الخفيفة المتغلغلة عبر شبكات العناكب الضخمة، يعلن سيرج ”يجب أن يتمتع نبيذ موزار بثلاث ميزات: الحقيقة، فلا يشوبه زيف، والمدة، فيتردد طعمه في الفم، والحياة، فيمتاز بنكهة حيوية، كالأرض التي جاء منها“. من هنا، لا يسوق شاتو موزار، بخلاف معظم مصانع النبيذ، إلا نسبة ضئيلة من إنتاجه، وبعد أن يتجاوز عمر هذا النبيذ الست سنوات كحد أدنى. ثم يلوح سيرج يديه بانتصار، ويضيف ”أما البقية، فنحفظها هنا، ونمنحها المزيد من الوقت لتتعتق!“ تجدر الإشارة إلى أن خبراء عديدين في تجارة النبيذ يعتقدون أن ”شاتو موزار“ لديه أكبر مخزون من الخمر المعتق في العالم. بالفعل، في هذه الكهوف الرطبة، تتكدس خمسة أو ستة ملايين زجاجة، من عهد تخميرة مسيو غاستون الأولى، وهي تتعتق بصمت، وتألق، وأبهة.
يصب سيرج نصف زجاجة من شاتو موزار 1977 ، احتفالا بهذا المخزون الضخم. ثم يشم النبيذ ثلاث مرات، ويعلن ”هيدا لبنان!“. وما يلبث أن يدس أنفه داخل الكأس، ويتنشق ثانية ملء أنفه الأحمر الصغير ”نخب التاريخ، نخب طعم الشمس وفعل الزمن!“ بعدئذ، يختار سيرج ثلاثة أنواع أخرى من النبيذ كي نتذوقه: نبيذ بلون العقيق من إنتاج العام 1959 ، وهو أول ما صنعه، ونبيذ بلون أحمر مذهل مثير من حصاد العام 1981 ، فضلا عن زجاجة من النبيذ الأبيض القاتم بلون الذرة الذهبي من العام 1995 . ويقول سيرج مبتهجا ”طعمه مثل نبيذ ميدوك، لا؟ كل ما نقدم عليه من حيث التسويق هو كتابة عبارة قصيرة فوق علامة شاتو موزار التجارية: ‘صبه من كأس إلى أخرى قبل الاستعمال’ بالنسبة للنبيذ الأحمر، و‘قدمه وفقا لحرارة الجو الداخلية’ بالنسبة للنبيذ الأبيض. وهذا كل شيء!“ يبدو أن سيرج هوشار مقامر بالفطرة، وبالتالي يجني شاتو موزار فوائد هائلة من هذه المقاربة الإنسانية والمجازفة التي يعتمدها الرجل، من أجل احتلال المكان المناسب بين أهم مصانع النبيذ في العالم. لكن سيرج سيقر على مسامعك، بعد جلسة مطولة من تذوق النبيذ، وبتأثير من نتاجه المعتق الذي المصنوع من افضل انواع العنب، أنه، كما في علم الجبر، لم يكن مرة على يقين من كيفية نجاحه في هذه الصناعة!.
يفغرانزو كيدبز ي
استوحى الفارس ذو الشهرة العالمية فرانكي ديتوري فكرة افتتاح سلسلة فرانكيز “بار اند غريل” عندما سأل مرة صديقه الطاهي الشهير ماركو بيير وايت عن مطعم يناسب اسرته مع الاطفال ويستمتع به الجميع. وعندما لم يستطع الطاهي الحاصل على عدة نجوم من ميشلين ان يجد مطعما ينصح به صديقه، قرر الاثنان العمل معا، وافتتحا اول مطعم بيتزا لهما في نايتسبريدج بلندن قبل ثلاثة اعوام. اليوم، هاهو الفرع الخامس من سلسلة مطاعمهما المعروفة يفتتح في برج شاطئ الواحة في دبي الشهر الماضي. ومع الشهرة الكبيرة التي يتمتع بها ديتوري في المنطقة، فهو فارس في اسطبلات غودولفين في كل من دبي وانجلترا، فان نجاح المطعم في دبي يبدو امرا مفروغا منه.
فرانكي ديتوري يقتحم
عالم المطاعم بدبي بفرع
لسلسلة مطاعمه اللندنية
|