Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
المنحشرون في عربات القطارات 





تبلغ كثافة الركاب في قطارات مومبي حد 15 شخصا في المتر المربع الواحد خلال ساعات الذروة. غير أن هذا التقارب الشديد بين زملاء السفر أنشأ علاقات صداقة بين الكثيرين، وساهم في ازدهار الفولكلور الشعبي، يقول جيري بنتو

أخبرني شاب يرتدي بذلة خاكية اللون، تشير إلى أنه موظف حديث العهد، قصة عن السفر اليومي بين مدينة مومبي وضواحيها، اعتقد انها من اشد القصص التي سمعتها عن مواصلات بومبي اثارة للأسى، فقد قال ”يوم الأحد الماضي، قدمت لي زوجتي شراب الليمون المثلج. فما كان من ولدي إلا أن رفع رأسه نحوها منتحبا، وصرخ: ماما، لم يسبق لك ان أعطيتني يوما شراب الليمون المثلج، كما فعلت للتو مع عمي“، مضيفا ”تخيل ان قصر الوقت الذي اقضيه في المنزل جعل الطفل يظن انني عمه وليس والده“.

عندما تبيع مدينة مومبي عقاراتها بأسعار تحاكي أسعار مانهاتن أو طوكيو، لكنها تمنح أبناءها من الطبقة المتوسطة رواتب من مستوى الأجور في الدول النامية، فهذا يعني ان الناس يضصرون الى ان يسكنوا في الضواحي الارخص وعلى بعد نحو ساعتين بالقطار من مواقع عملهم. من هذا المنطلق، فان الموظفين من سكان الضواحي ينفقون من الوقت في القطارات وبصحبة زملاء السفر ما يفوق ما يقضونه مع أسرهم نفسها مما يؤدي الى حدوث غربة بين الاطفال واهاليهم العاملين في المدينة، وخصوصا في السن الصغيرة حيث يكون الاطفال قد ناموا قبل ان يعود والدهما،او والدتهم من العمل. وفي هذا الإطار، يعرف الكاتب مارك بين قاطني الضواحي البعيدة في كتابه الذي يحمل عنوان ”الاتجاهات الدقيقة: القوى الصغيرة خلف التغييرات الكبيرة اليوم“، بأنهم المسافرون لأكثر من تسعين دقيقة في اليوم بهدف الوصول إلى مكان عملهم. ويبلغ عددهم نصف القوة العاملة في مومبي.

وفوق هذا كله، ليست هذه الرحلة ممتعة على الإطلاق. فكل قطار يحمل ما يفوق سعته القصوى بثلاث إلى خمس مرات. يقول سيكيتو ميهتا في كتابه ”المدينة القصوى“ الذي رشح لنيل جائزة بالتازار عام 2004 “إذا كنت ممن ينتقلون من الضواحي البعيدة إلى مومبي، فأنت بالتأكيد تدرك بدقة درجة حرارة أجسام البشر وهي تطوقك من كل حدب وصوب، وتتكيف مع حنايا جسدك كلها“. وفي قصيدة تحمل اسم ” 5:46 أنديري محلي“ يقول شاعر مومبي أرونداتي سابرامانيام ”نحن كالمعدن تلعقه غازات الأسيتيلين القاسية، نلتحم فوق العجلات ونتحول إلى شيء ما، يشبه الآلهة كالي بأوصالها المتعددة وألسنتها المتعددة، على عجلات“.

السفر بالقطارات اصبح طريقة للعيش، وقد أرست حياة القطارات قوانينها الخاصة. أولا، لا يمكن للمرء أن يسافر وحيدا، بل عليه أن يؤلف مجموعة من الأصدقاء، ليعتنوا ببعضهم. على أقواهم بنية ان يندفع داخل القطار قبل أن يتوقف، فيحجز لزملائه أمكنة من خلال رمي أمتعته ومناديله وصحفه وغيرها من علامات التأشير المؤقتة في أرجاء المقصورة.

غير أن ذلك قد لا يكون كافيا في بعض الأحيان، لا سيما عندما تستقل مجموعتك القطار وتترجل منه في أوقات مختلفة. فبعد يوم شاق تقضيه في العمل جنوب المدينة، لا شك في أنك سترغب في الجلوس عند العودة إلى منزلك شمالا. تقع وجهتك على بعد ثلاث محطات من مكان الانطلاق الواقع عند أقصى الجنوب. لكن عوضا عن التوجه شمالا، تجد نفسك متوغلا أكثر فأكثر نحو الجنوب من اجل الحصول على مقعد شاغر. لذا عليك أن تدرس القطارات بدقة، كي تعرف أي قطار متوجه جنوبا سيصلك بالقطار السريع الذي ينقلك شمالا.

في التسلسل الهرمي لمسافري القطارات، يأتي المسافرون ”من المحطة الأولى إلى المحطة الأخيرة“ في أعلى القائمة، وهم قاطنو الضواحي المتوجهون من أحد طرفي السكة الحديد إلى طرفها الآخر. على هؤلاء أن يركبوا القطارات السريعة، وإلا تضاعف الوقت اللازم لبلوغهم وجهتهم. أما إذا استقليت أحد هذه القطارات، ورغبت في الترجل منها عند منتصف الطريق، فسيعاقبونك برفضهم إطلاق سراحك حتى المحطة الأخيرة. لا، لن يستخدموا العنف معك طبعا، ولكنك ستغرق وسط غابة من الأجساد، وستتعلم أن تستقل أحد القطارات المخصصة لك في المرة القادمة، وأن لاتستغل المجال الحيوي المخصص لغيرك.

في المرتبة التالية فنجد الذين يعيشون على بعد ساعتين على الأقل من مكان عملهم. صحيح أن القطار في هذه الحالة لا ينتقل من طرف إلى آخر فعلا، لكن في حال ألغيت الرحلة في احد الايام، فهم لن يترددوا في النوم على أرصفة المحطة أو في مكاتبهم. فهم على يقين أنهم لن يبلغوا وجهتهم أبدا إذا استقلوا حافلة أو سيارة.

أما الذين يركبون القطار البطيء، فيعرفون بالضعفاء. الجميع يعلم أن بإمكانهم التوجه إلى بيوتهم سيرا على الأقدام في أسوأ الأحوال. فما هي إلا مجرد ساعتين من المشي الطويل المجهد بين البيت والمكتب! ويضطر سكان المدينة-الجزيرة الى هذه الممارسة مرة سنويا على الأقل، عندما تعصف بهم الريح الموسمية، ويهدد البحر باستعادة ممتلكاته البرية.

لكن هؤلاء لا يحتلون الدرجة الدنيا من حيث ضعف المرتبة، بل تجدر الإشارة في هذا السياق إلى ركاب الحافلات. إنهم أشبه بالنباتيين القاطنين في ضواحي مومبي، وهم بالكاد يسافرون لخمس وأربعين دقيقة، ويبتاعون التذاكر في الأوقات كافة تقريبا، لا بل يمنحون مقاعدهم أحيانا للنساء والمسنين. ويمكن أن يشاهد المرء كذلك قاطع تذاكر يحد من كثافة الحشود.

أما بالنسبة لسيارات الأجرة، فهي الأثر الأخير المتبقي من نظام الحكم الاشتراكي، حيث يعاقب الفرد لسعيه وراء بعض من الراحة. تقع نوافذ هذه السيارات تماما على نفس المستوى مع أنابيب العادم للشاحنات الكبيرة، وبالتالي، بينما تجلس في المقعد الخلفي الغائر، يمكنك أن تختار بين تنشق البخار العفن لزيت الشعر والنيكوتين المنبعث من السائق، وأنت تتصبب عرقا حتى الذوبان، أو يمكنك أن تفتح النافذة وتعب من أبخرة مازوت الشاحنات والسيارات من حولك. رغم ذلك، ليس بإمكانك أن تشتكي، بل لن تجرؤ على ذلك. وحدهم ركاب القطارات لمسافات طويلة يتمتعون بتلك الفوقية الأخلاقية التي اكتسبوها جراء قضاء ساعات طويلة في علبة قصدير، حيث المراوح معطلة، ورائحة المدابغ تهاجمهم بعنف عبر النوافذ، في حين ان الصوت القوي لصرير المعدن فوق المعدن يمنعك من سماع اي صوت آخر ويبدو وكأنه يعزل الضجيج الخارجي بتأن وكمال. من هذا المنطلق فان حقهم في الشكوى يعتبر ثمرة شرعية لعذاباتهم الطويلة.

بالفعل، القطارات هي التي تتمتع بالسحر، وهي حبل السلامة المشدود إلى المدينة. فهي التي تحمل الطعام والمحاصيل، والناس والآلات، والمواد الأولية للصناعة. وهي أيضا ملعب الشباب المغامر الذين يغازلون الموت مواجهين خطر الصدمات الكهربائية على أسطحها. فعلى متن القطارات تنظف خضراواتك، وتنشد ترانيمك، وتكتب قصائدك ألف مرة ومرة. على متنها، تلعب الورق، وهناك أيضا تجري ما لا يعد ولا يحصى من الاتصالات الهاتفية التافهة (لا بل من الممكن أن تتعلم وتجيد نطق عبارة ”إذن، ما الجديد؟“ بعشرين لغة هندية مختلفة، خلال رحلة محلية واحدة بالقطار).

في هذا المكان، تبصر الأقاصيص النور. فالقطار مهرجان بديل عن مومبي الحقيقية، كما يقال. وقد حدثتني امرأة شابة مرة عن قصة مؤثرة قائلة ”لقد عادتني صديقاتي اللواتي اراهن في القطار خلال مرضي. كن قد لاحظن غيابي، فعرجن على مكتبي بعد يومين، ليستعلمن عن حالي. وقد بلغ تأثري حينذاك مبلغا كبيرا، سيما وأنهن فوتن عليهن حفلة كبيرة خاصة بالفتيات من أجلي“. وقد يخبرك أحدهم أيضا قصة الشاب الذي هوى من القطار كما قال لي احدهم يوما ”لقد هوى أمام عيني مباشرة، ثم انتفض مرتين ككيس من الأرز، قبل أن يرقد جثة هامدة“، أو قصة الزوجين الشابين اللذين خرجا من قطار توقف حين اجتاحته المياه خلال أحد الفيضانات القوية في مدينة مومبي، وما لبثا أن فارقا الحياة عندما جرفهما قطار آخر تحت عجلاته. وهكذا، على غرار مومبي، المدينة التي أيقظتها القطارات حيثما نثرت جذورها وقضبانها الحديدية، تنسج هذه القطارات أساطيرها وقصصها الخاصة.











  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة