|
صحيح أن سوريا والولايات المتحدة كدولتين تختلفان في التوجهات السياسية، إلا أن سائقي السيارات في حلب لا يكنون إلا المحبة للسيارات الكلاسيكية الأمريكية، حسب تقرير أوليفر أوغست كان بإمكاني ان اسمع صوتها قبل ان اتمكن من رؤيتها. بدأ الهدير خفيفا لكنه مع ذلك يثير الرهبة. وما لبثت أن ظهرت، ملقية علي بظلها الكبير، ، حتى حجبت عني الرؤية من المرآة الجانبية: إنها سيارة كرايزلر موديل 1968 ذات لون أزرق رمادي، ومحرك جبار مستتر تحت غطاء معدني كبير. كان هذا الوحش المعدني الضخم قد توقف خلفي عند إشارة المرور الحمراء، على أبواب المدينة القديمة في حلب. أما أنا، فكنت أقود سيارة مستأجرة من نوع هيونداي بدت كحمامة صغيرة مقارنة بالسيارة العملاقة ، وهي إحدى السيارات الكورية الاقتصادية التي يتزايد عددها أخيرا في سوريا. لم أشعر في حياتي قبل أنني قد ركبت سيارة أصغر حجما من هذه، أبدا. عندما أصبحت الإشارة خضراء، انحرفت الكرايزلر نحو اليسار وتجاوزتني بسرعة. لمحت السائق قبل أن يتوارى سريعا. كان رجلا ذو مظهر ودود يرتدي بذلة رسمية، ويتحدث إلى فتاة ترتدي زيا أحمر اللون في المقعد الخلفي. أو على الأقل هذا ما خيل إلي. غير أن المشهد ظل يطالعني باستمرار، وأنا أتابع طريقي عبر شوارع حلب الضيقة ذات الاتجاه الواحد، هذه المدينة التي سكنها الفنانون والتجار والعلماء ومحبو المغامرات، على مدى قرون عدة. هل هذا هو سائق الكرايزلر نفسه حقا؟ أيعقل أنه بدل ملابسه بهذه السرعة؟ لا، لم تعد السيارة زرقاء، بل هذه أرجوانية. وليس هذا وحسب، بل إن غطاءها المعدني أصبح أكبر، ومخفف الصدمات المطلي بالكروم لم يعد غائرا، كما أنها لا تحمل علامة ”كرايزلر“ في الخلف. كانت تحمل شعار”بويك“، وبعد قليل صادفت سيارة عتيقة أخرى تحمل شعار ”بونتياك“. في الواقع، لم أكن أتبع شبحا واحدا، بل عدة أشباح. كانت شوارع المدينة التي أخذت من المستعمرين الفرنسيين النظام الشبكي الدقيق في الطرقات واحتفظت بمناخها الجاف البارد كمحيطها الصحراوي، حافلة بهذه التحف المتحركة على عجلات، والتي تدل بما لا يدع مجالا للشك على طرازها الأمريكي العتيق. فتارة تطالعك سيارة ”شيفي 58 “ ذات هدير عال، أزيل الغبار عن نوافذها الأمامية بعناية، وطورا سيارة ”دودج دارت 1973 “ ذات طلاء أنيق وقوة هادرة، او شاحنة نقل صغيرة “ من طراز ”ديزوتو 1955. في طرقات حلب تجد أيضا سيارات ”بيل إيرز“ و“أوستن“ و“كاديلاك“، التي تبدو وكأنها معدة لرحلات الفضاء، فقد زودت كلها بزعانف وأجنحة ومحركات جبارة ومصابيح دائرية أو متطاولة في المؤخرة، كفيلة بنقلها إلى القمر، وطليت بألوان لم يستخدمها أحد منذ عهد فرقة ”بيتش بويز“، كالبني، والبيج، والزهري، وبألوان أخرى لم يجرؤ أحد على المزج بينها قط. ركنت سيارتي في شارع جانبي قرب فندق بارون، ثم ترجلت منها. وفكرت: كيف يتسنى للمرء أن يقود مثل هذه السيارات؟ وتأملت أن أكتشف الجواب من خلال طرح الأسئلة على سائقي هذه التحف. اقتربت من بعض أصحاب السيارات الذين كانوا يجلسون باسترخاء أمام أحد المحلات. ترى، هل يعقل أن يسمحوا لي بقيادة احدى هذه السيارات ولو لبضعة دقائق ليس إلا؟ بدوا لي غير راغبين على الاطلاق في إعارتي سيارة صنعت، في معظم الحالات، قبل أن يولدوا. كانوا من النوع الذي يسهب في الإجابة والشرح. فراح أبو أحمد، وهو رجل ملتح في الثامنة والثلاثين من العمر، يثني على سيارته التي لم تخذله مرة، وهي من نوع ”آي.إم. سي رامبلر“. فقال ”أسرتي كبيرة. لدي أربعة أولاد، وهذه السيارة تتسع لهم جميعا“. إلى جانبه، أخذ رجل آخر يشير إلى حجم السيارة من الداخل بفتح ذراعيه ومدهما على الآخر، في محاولة منه ليظهر لي مدى كبر حجمها العملاق. وفي نهاية المطاف، أخبرني بلغة إنجليزية مكسرة ”أمريكا… لا مشكلة معها“. وبالفعل، فلا يهمهم أن الحكومة الأمريكية تفرض حظرا اقتصاديا على سوريا، وجميعهم متفقون على أن ”بوش سيء، لكن السيارات الأمريكية جيدة“. مقابل برج الساعة القديم في حلب، سألت رجلا آخر إن كان بإمكاني قيادة سيارته، وهي ”بويك رودماستر 1950 “ تم تلميعها حديثا. فأجابني وهو يذكر أسماء أعمامه وأبناء أعمامه الذين درجوا على قيادتها منذ السبعينات ”طبعا، طبعا، طبعا“، لكنه لم يتحرك من مقعده، ولم يتح لي المجال للجلوس وراء المقود. وحين سألته مجددا، اقترح علي زيارة متجره القريب حيث يبيع حبوب القهوة والبهارات. كان قدركن سيارته في مواجهة المحل تماما. الجواب كان دائما ذاته، سواء كانت السيارة من طراز ”شيفروليه“، أو ”أولدزموبيل“، أو ”مرسيدس“ عتيقة. لكن لحسن الحظ أن أصحابها كانوا ودودين ويحبون تبادل أطراف الحديث. وقد عزوا انتشار السيارات الأمريكية في سوريا إلى انعطاف حاد عن الاقتصاد الاشتراكي الموجه. وبالفعل، كان استيراد السيارات في سوريا على مدى عقود محظورا بهدف حماية العملة الصعبة. وما لبث هذا الحظر أن رفع عام 1994 ، غير أن الضرائب المرتفعة المفروضة على هذه السيارات لم تغير من واقع الحال كثيرا. لذا، صحيح أن في البلد بعض السيارات الحديثة اليوم، إلا أن معظم الأشخاص عاجزون عن تدبر ثمنها، وبالتالي يتمسك أصحاب السيارات القديمة بمركباتهم قدر ما يستطيعون. وهكذا، انتشرت في ضواحي معظم المدن الكبرى سلسلة من المحلات الفنية لإصلاح السيارات العتيقة. ففي حلب، تجد الميكانيكيين بسراويلهم ذات الحمالتين منتشرين في المنطقة الصناعية على طول الطريق المؤدية إلى الأوتوستراد الشمالي-الجنوبي وفي منطقة العرقوب الصناعية، وهؤلاء يمكنهم تفكيك جهاز الكربراتور، وتنظيفه، وإصلاحه، ثم إعادة تجميعه وتركيبه، بينما العامل الأجنبي سيلجأ لتغييره بكل بساطة. ولا امر يستعصي عليهم فهم يلحمون الأبواب بمفاصل جديدة على هيكل السيارة إن تآكلت القديمة، والكروم يستبدلونه بمواد مركبة من ألياف الزجاج المغزول، ويركبون محاور العجلات المصنوعة في سوريا والمحركات اليابانية بعناية، في هيكل كان في ما مضى أمريكي الصنع مائة بالمائة. ارتكبت خطأ كاد أن يكلفني غاليا، حين سألت أحد الميكانيكيين عن إمكانية شرائي سيارة شيفروليه أو دودج قديمة، وفي ظني أني سأوفر من المال الذي أنفقه على إيجار سيارة الهيونداي. فما كان من الميكانيكي، الذي يكسو الزيت شعره الأسود الأملس أكثر مما يكسو مئزره، إلا أن طمأنني، وأكد أن باستطاعته تأمين سيارة مناسبة من أجلي. فانفرجت أساريري وأنا أتخيل أنني حصلت أخيرا على سيارة خاصة عتيقة أتجول بها في الشوارع. غير أن حلمي هذا لم يدم إلا للثواني المعدودة التي استغرقته من أجل تناول الآلة الحاسبة من جيبه، وحساب ثمنها التقريبي. من جهتي، قدرت أن مثل هذه السيارة لن تكلفني سوى بضع مئات من الدولارات، ولما رأيت الرقم على الآلة الحاسبة، ظننت أنه بالليرة السورية. لكنه كان يقصد 16 ألف دولار أمريكي مقابل سيارة دودج أسبن من العام 1977 ، تم تثبيت سطحها بلوح فولاذي مسلح، يوازي عرضه عرض المقعد الخلفي. ولما قصدت بقية الميكانيكيين، أكدوا لي أن هذا هو السعر الطبيعي. أما استيراد السيارات الحديثة، فيفوق ذلك تكلفة. لهذا، فليس امام السوريين الا ان ينفقوا بسخاء على إصلاح سياراتهم العتيقة. حسن، هل بإمكاني إذا أن أجرب قيادة سيارة الدودج أسبن 1977 ؟ كنوع من الاختبار؟ وأخيرا، تحقق حلمي! بعد بضع دقائق، كنت قد انطلقت في رحلة عصر ذلك اليوم في ظل زحام خفيف، برفقة ياسر، الميكانيكي ذي الشعر المشبع بالزيت. كانت علبة تغيير السرعة والمقود ينصاعان لي بدقة بالغة، فاجتزنا الطريق أوليفر أوغست هو مؤلف الكتاب الذي نشر حديثا بعنوان ”داخل القصر الأحمر: في إثر أخطر المجرمين في الصين“. ويعيش أوليفر حاليا في دمشق.
|
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]()
|











