إنه مركب! بل طائرة! لا يهم كيف تنظر إليها، برأي كيت ماكولي، فالتحليق بالطائرات المائية أمر ممتع حقا مع انخفاض أسعار تذاكر الطيران، وتنظيم الرحلات الخاصة المؤجرة بثمن معقول، وتوافر طائرات ذات سعة أكبر وهياكل أضخم، أصبح عدد الأشخاص القادرين على السفر جوا أكثر من أي وقت مضى. غير أن ذلك ساهم أيضا في إفقاد رحلات السفر بالطائرة بريقها المألوف. رغم ذلك، بدأت ثورة صغيرة في الطرف القصي من السوق تتأجج بهدوء، لتسبغشيئا فشيئا لمسة من التشويق على السفر الجوي. والتواقون إلى قصص الطيران، في أيامه الأولى، من دبي إلى لندن فمصر، سيرحبون بعودة الطائرة المائية. لكن هذا لا يعني أن متعة الطيران قد تلاشت فعلا في أي وقت من الأوقات. فمنذ أن بنى المهندس الفرنسي هنري فابر، طائرة ”لو كانار“ (البطة) التي حلقت لهنيهات فوق ساحل المارتينيك، عام 1910 ، قبل أن تهوي في الماء بعد قليل عن ارتفاع يكاد يوازي 500 مترا، والطائرات المائية تعمل بشكل متواصل في شتى أنحاء العالم. وبالفعل، إثر غزوة فابر الأولى لعالم الطيران المائي، باشرت الجيوش البريطانية والفرنسية والأمريكية بتمويل هذه الصناعة الناشئة، وإذا بمجموعة من ”المراكب الطائرة“ تجتاز محيطات العالم جيئة وذهابا بعد بضع سنوات. وما لبثت هذه الخدمة أن اتخذت طابعا تجاريا، وبدأت ”مراكب الإمبراطورية“ التابعة للخطوط الجوية الإمبراطورية تحلق من المملكة المتحدة إلى جنوب إفريقيا، مجهزة بالمكتبات والنوادي وحجرات التدخين، وتنزل في طريقها في محطات مثل أثينا، والإسكندرية، والخرطوم، وبحيرة فيكتوريا. لكن مع سطوع نجم النوع الجديد من الطائرات المدنية السريعة، أصبحت سرعة المركب الطائر والتقنية الهوائية الخاصة بالإقلاع والهبوط على سطح الماء أمرا قديما. ورغم ذلك، تبقى الطائرات المائية الأصغر حجما نمطا أساسيا للمواصلات المحلية في الجزر، مثل جزر المالديف والبهاما، ومنطقة شمال غرب المحيط الهادئ التابعة للولايات المتحدة الأمريكية. لكن الجديد في هذا الإطار هو إقلاع الطائرات المائية حديثا من مواقع جديدة ومن المدن في الغالب، لتقديم خدمات منتظمة أو رحلات خاصة مؤجرة، وجولات سياحية جوية مشوقة. ففي أغسطس من العام الماضي، حولت طائرات ”لوك لوموند“ المائية كل أبوابها إلى النمط اليدوي، وافتتحت اول خدمة رحلات اوروبية مركزها المدينة، انطلاقا من نهر كلايد في غلاكسو باسكتلندا (تكمن ميزة الطائرات المائية في ان كل ما تحتاجه هو سطح مائي يستخدم كمدرج للإقلاع والهبوط). من جهتها، أعلنت خطوط ”ايرسي لاينز“ الجوية التي تدير خدماتها في كندا ومنطقة المتوسط، العام الماضي، عن خطتها لإطلاق خدماتها في بريطانيا، بدءا من لندن. وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، اطرى المعنيون في نيويورك الطائرات المائية، بصفتها حلا فعالا لأزمة السير الخانقة في الطرقات. وفي السياق ذاته، أرسى مستثمر طائرته المائية في نهر النيل حديثا، مطلقا رحلات سياحية فوق الآثار الفرعونية في الأقصر، بينما أطلقت شركة الرحلات السياحية في دبي ”سيونغز“ العام الماضي، خدمة جديدة لتلبية احتياجات قطاع السياحة المتنامي. ويقول القبطان النيوزلندي ترافيس تاياروا الذي يقود طائرة ”سيسنا 208 كارافان“ إلى ما وراء كاسر الأمواج عند ”منتجع شاطئ جبل علي“، ثم يستعد للإقلاع ”إن خط الأفق في دبي يتغير على الدوام، وتظهر أبراج ومنشآت جديدة. ويرغب كل زائر إلى المدينة بأن يرى معالمها المتغيرة باستمرار من الجو“. وستتأكد من صحة قوله إذا زرت المدينة بنفسك يوما. والغريب أن هذه الطائرة عبارة عن جسم قوي أعيد ترميمه من هيكل طائرة ”سيسنا“ قديمة، ثم زود بمحرك حديث وتصميم داخلي جديد تماما. ويقول المسؤول التنفيذي الأول والمدير العام لشركة ”سيونغز“، جيف براور: ”لقد اخترنا كارافان، لأنها الطائرة الوحيدة اليوم القادرة على الهبوط فوق الماء وعلى البر“. فوق البر؟ أهذا يعني أن بمقدور هذه الطائرة الهبوط فوق الأرض الصلبة ايضا؟ ”نعم، إذا لزم الأمر. فهي مزودة أيضا بعجلات تحت العوامات“. غير أن الإقلاع من سطح الماء هو ما يمنحك المتعة الكبرى. يشغل ترافيس جهاز u t نقل الحركة، فتتفرق الطيور المهاجرة، وتنزلق الطائرة فوق سطح الماء بسرعة متزايدة، ثم تحلق عاليا. وعملية الإقلاع هادئة، ويمكن للراكب أن يتأمل البحر الأزرق الممزوج بلون أخضر خفيف. ثم تستوي الطائرة، فتتوالى مشاهد شجر النخيل في جزيرة نخلة الجميرا، تتخللها قصور أشبه بقطع الليغو، وفندق أتلانتيس. تتجاوز الطائرة فندق برج العرب بشراعه المنتفخ، وشكل الموجة لفندق شاطىء الجميرا. على يسارنا ويميننا توجد مروحيات، وعلى متنها نخبة من الشخصيات رفيعة المستوى. لكنني لا أقايض مكاني معهم مهما بلغت أهمية مراكزهم. فالسفر في طائرة مائية أبهج، وأقل ضجيجا، اضافة لقدرتها على الهبوط في أي مكان. نتجاوز جزيرة ”العالم“. ومع أنها من أشهر المشاريع على مستوى العالم اليوم، لكنها تبدو لنا مجرد نقاط متناثرة على وجه البحر. تميل الطائرة نحو الداخل، فنعلو فوق المدينة ونرى خط السيارات المتراصة يمتد على طول شارع الشيخ زايد، بينما تنتشر أمامنا سحابة صفراء رملية، تذكرنا بموقع دبي على طرف الصحراء. بعد قليل ستستعد الطائرة المائية للهبوط، فيسرع البحر لملاقاتنا. تلامس الطائرة سطح الماء برقة، ثم تنزلق نحو الشاطئ المكسو بالزبد. والملفت أن الراكب لا يشعر بأي ارتطام، ولا يطول الوقت في انتظار الطائرة وهي تدرج فوق سطح الماء، كما لا يعاني من الوقوف في صف طويل مرهق في انتظار سيارة أجرة. إنه عالم بعيد كل البعد عن تجربة المطارات العادية، وقريب جدا من إعادة اكتشاف بهجة ومتعة حقبة الطيران الأولى، اليوم، ونحن في مطلع عام 2008. للمعلومات: تبدأ أسعار جولات ”سيونغز“ من 795 درهما للشخص الواحد
|
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |






