|
تطالب دول من انحاء العالم باستعادة القطع الأثرية التي أخذت منها لتعرض في كبريات المتاحف في الغرب . كاثرين ميللر تنقل الينا التفاصيل مباشرة من خط الجبهة في هذا الصراع الثقافي الاخلاقي خلال مقابلة لها مع صحيفة ”نيويورك تايمز “ في وقت سابق من هذا العام، قالت هيلدا فايدال، أحد أمناء المتحف الوطني في بيرو لعلم الآثار والانثروبولوجيا والتاريخ ”آمل في المستقبل أن تعود كل الموروثات الثقافية في العالم إلى مواطنها الاصلية “. والحق أنه إذا قدر لهذه الأمنية أن تتحقق، فعندها ستخلو المتاحف الكبرى في العالم، بما فيها المتحف البريطاني، ومتحف اللوفر، ومتحف المتروبوليتان في نيويورك، من معروضاتها . ومن غير المتوقع أن يحدث هذا، ولكن تظل إشكالية إعادة القطع الأثرية إلى بلادها الأصلية - والتي تتضمن استعادة دول المنشأ للمقتنيات المعروضة في المتاحف - موضع جدل حاد . فالبعض مثل فايدال يتساءلون، عن الجانب الأخلاقي في موقف الدول، خاصة الدول الأوروبية وامريكا، من الاحتفاظ بالكنوز الأثرية التي تم الاستيلاء عليها خلال الحروب الاستعمارية أو شريت بأسعار زهيدة من الدول النامية ذات الحكومات الضعيفة . فيما يرى اصحاب الرأي الآخر أن المتاحف الحديثة في الغرب، قادرة بفضل تقنياتها على الحفاظ على الآثار وحمايتها من أجل أجيال المستقبل، كما انها تتيح للزوار فهما أعمق لثقافات العالم بمشاهدة الاثار الى جانب معروضات من أنحاء العالم . ومن بين أشهر طلبات استعادة القطع الأثرية، طلب الحكومة اليونانية من المتحف البريطاني لاستعادة تماثيل ”بارثينون “ ، وهي عبارة عن إفريز رخامي مكون من عدة تماثيل وأجزاء تماثيل، ويعود إلى 2000 عام مضت، ويصور خيولا وفرسانا وآلهة، ويعرف أيضا باسم ”رخاميات إلجين “ ، حيث كان اللورد إلجين، وهو سفير سابق لبريطانيا في القسطنطينية، قد نقل هذه القطع الأثرية من معبد ”بارثينون “ بأثينا عام 1806 ، وبعد ذلك بقليل بيعت للمتحف البريطاني، حيث تعرض بشكل دائم منذ ذلك الحين . ويعود الجدل حول هذه التماثيل إلى الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، عندما طلبت اليونان استعادتها، بعد أن حصلت على استقلالها من الحكم التركي . ولكن المتحف رفض، بدعوى أنه حصل عليها بصفة قانونية من اللورد إلجين . ويقول جوناثان ويليامز، أمين قسم ”ما قبل التاريخ وأوروبا “ في المتحف البريطاني ”ظلت تماثيل بارثينون تمثل جزءا أساسيا في بنية قصة الإنجاز الثقافي البشري والتي أقيم المتحف لحفظها على مدى 200 عام مضت . ولا يوجد الان سوى نصف التماثيل الأصلية التي زينت المعبد، بينما دمر النصف الآخر قبل ظهور إلجين لأن المبنى، الذي بني قبل 2000 عام، يعاني مشكلات القدم “ . أما الأتراك، فلديهم قضاياهم الأخرى . ففي الثمانينيات من القرن التاسع عشر، جرى نقل أعمال خزفية أخذت من أجزاء مختلفة من متحف ”الحاجة صوفيا “ أو مسجد آيا صوفيا، كما هو مشهور، من بينها لوحة خزفية صنعت في أزنيك في تركيا وتعود للقرن السادس عشر، أخذت من قبر السلطانين سليم الثاني ومراد الثالث، ونقلت إلى باريس لترميمها . ولكن، صنعت نسخ مطابقة للأصل لعدد من هذه القطع، وأعيدت القطع المصطنعة إلى إسطنبول، بينما ظلت الأصلية في فرنسا . والآن، حسب تقرير نشر حديثا في صحيفة ”ميلليت “ التركية، فإن وزارة الثقافة التركية تريد استعادة القطع الأصلية . وقد رفض اللوفر ذلك، بعد أن ظل يعرض اللوحة منذ عام 1905 ، قائلا ”إن بين مجموعاته قطعة خزفية من ضريح السلطان سليم الثاني يعرضها منذ أكثر من قرن . وقد .“ جلبها شخص مقرب من البلاط العثماني عام 1895 وثمة قائمة طويلة من قضايا شبيهة، فرئيس المجلس الأعلى للآثار في مصر، الدكتور زاهي حواس، يريد إعادة تمثال رأس نفرتيتي، الملكة المصرية الجميلة والتي عاشت في القرن 14 ق م، إلى أرض النيل، بعد أن ظل يعرض لمدة طويلة في ”المتحف المصري “ في برلين . وتقول الحكومة الألمانية أن ملكية التمثال تعود قانونيا لألمانيا، ويؤكد ديتريتش ويلدونج، الأمين في ”المتحف المصري “في برلين، أن القطعة الأثرية هشة جداً بما لا يسمح بسفرها، وهذا يعني أن نقلها إلى مصر على سبيل الإعارة غير وارد . كما طالب حواس المتحف البريطاني باعادة ”حجر رشيد “ ، الذي كان مفتاح فك شيفرة الكتابة الهيروغليفية . ويقول حواس ”إن ”% 95 من المصريين لم يروا قط حجر رشيد، كما لم يروا تمثال رأس نفرتيتي “. في حين يقول ويليامز، ”لم يصدر طلب رسمي من الحكومة المصرية باستعادة حجر رشيد، أو أي من مقتنيات المتحف البريطاني التي أخذت من مصر . ولدينا علاقات ممتازة مع السلطات المصرية، ونعمل معهم بشكل وثيق فيما يتعلق بالآثار في مصر “. وعليه، ما هي الاسباب التي تستند اليها متاحف الدول الغربية عندما تجادل بضرورة احتفاظها بمجموعاتها الاثرية؟ يقول ويليامز ”المتحف البريطاني متحف عالمي . ولدينا نحو 5 ملايين زائر سنويا، يأتون من أنحاء العالم . إننا نهدف إلى استخدام مجموعاتنا بما يعود بالفائدة العامة على العالم أجمع، ونحن نقوم بذلك بطريقتين : أولا بإتاحة الوصول إلى هذه المجموعات في مقرنا بلندن للجميع مجانا، وهذا معمول به منذ تأسيس المتحف عام 1753 . وثانيا، لدينا برنامج عالمي لإعارة المجموعات الفنية “. وكان المتحف البريطاني في العام الماضي، أعار نحو 4400 قطعة إلى متاحف في أنحاء العالم . وبينما يقوم المتحف بدراسة كل طلبات الاستعارة التي ترده من المتاحف، فإنه لم يتلق أي طلب استعارة ”تقليدي “ لأي من مجموعة تماثيل بارثينون . ومن بين التطورات المثيرة في هذه القضية الشائكة أن بعض الدول تعمل على استعادة آثارها عن طريق الشراء . ففي بكين، مثلا، يعرض متحف الفنون المتعددة ”بولي آرت “ قطعا كانت قد هربت إلى الخارج، واستعادتها الصين عن طريق الشراء . وفي عام 2000 ، دفع المتحف، الذي تدعمه شركة مجموعة ”تشاينا بولي “ ، نحو 4 ملايين دولار أمريكي لشراء ثلاثة رؤوس حيوانات برونزية . كانت نهبت على يد القوات البريطانية والفرنسية عام 1860 وعند شراء عمل فني أثري، لابد أن تكون الجهة المشترية متيقنة من أصله ومصدره، وهو ما تدركه المتاحف والمعارض الفنية جيدا . فقد أعلن متحف الفن في إنديانابوليس بامريكا هذا العام أنه لن يشتري أية قطعة أثرية غادرت بلد منشئها بعد عام 1970 . وهناك مؤسسات أخرى عديدة، بينها المتحف البريطاني، ومتحف جامعة بنسلفانيا، ومتاحف مقاطعة برلين، تبنت هذه السياسة . ويقول ماكسويل أندرسون، مدير متحف إنديانابوليس ”نأمل أن تمثل هذه خطوة بسيطة على طريق إيقاف تيار الحفريات غير القانونية أو النقل غير المشروع للقطع الأثرية “. من جهته يقول ويليامز، امين قسم ”ما قبل التاريخ واوروبا “ في المتحف البريطاني ”يتخذ المتحف البريطاني موقفا صارما تجاه التجارة غير الشرعية للقطع الاثرية . ونتعاون مع الدول في مختلف أنحاء العالم لضمان عودة القطع التي تم تصديرها للخارج بطريقة غير شرعية". والحق أن متحف ”ج . بول غيتي “ ، في لوس أنجليس بالولايات المتحدة، وافق في وقت سابق من هذا العام على إعادة 40 عملا -بينها تمثال رائع لأفروديت، آلهة الجمال الإغريقية يعود للقرن الخامس قبل الميلاد - كانت نهبت من إيطاليا . كما يعتزم إعادة عدة قطع إلى اليونان بعد أن قالت الحكومة اليونانية أن هذه القطع قد هربت الى خارج البلاد . وعبر وزير الثقافة اليوناني جرجس فولغاركيس عن ابتهاجه بهذه الأنباء، وقال إن بلاده تشن حملة عالمية لاستعادة قطعها الأثرية المسروقة والمهربة الى خارج البلاد . ولكن، إلى أي مدى تكون العودة الى غياهب التاريخ ممكنة بحيث تسمح بادعاء الحق في استعادة القطع المسروقة؟ فقد أثار مزاد أقامته دار ”سوذبي “ للمزادات في لندن عام 2005 ، على 64 عملا فنيا كانت تعود للسلطان تيبو الذي حكم الهند خلال القرن الثامن عشر، مظاهرات نظمها هنود قالوا أن هذه القطع نهبها البريطانيون عام 1799 ، ويجب إعادتها إلى الحكومة الهندية أو إلى المنحدرين من سلالة السلطان . وهناك قطعة فنية من ممتلكات السلطان تيبو، تحمل اسم ”نمر تيبو “ (لم تكن معروضة للبيع)، وهي عبارة عن آلة متحركة مصنوعة من الخشب وبالحجم الطبيعي تمثل نمرا يهاجم جنديا، وهذه القطعة معروضة حاليا بمتحف "في اند آي" اللندني. من الممكن ان يكون حل مشكلة استعادة القطع في أن تقيم المؤسسات الكبرى فروعا لها في عدة دول من العالم . فهناك متحف ”لوفر أبو ظبي “ الذي اعلن تأسيسه في مارس الماضي، ومن المقرر أن يفتتح عام 2012 ، ليكون أول فرع دولي لمتحف اللوفر الفرنسي . وغني عن القول ان استخدام اسم المتحف العريق لن يتم دون تكلفة مالية باهظة، فطبقا لصحيفة “نيويورك تايمز “ ، فان أبو ظبي ستدفع مبلغا يقدر ب 520 مليون دولار أمريكي مقابل اطلاق اسم اللوفر على متحفها كجزء من صفقة تمتد لثلاثين عاما . إضافة إلى 247 مليون دولار 200 عمل - أخرى مقابل حق استعارة الأعمال الفنية (يتراوح عددها بين 3 على مدى عشر سنوات)، وذلك اضافة الى 214.5 مليون أخرى لتغطية تكلفة الاستشارات الإدارية، و 253.5 مليون لإقامة المعارض الخاصة . وكانت بعض الصحف الفرنسية قد أعربت عن قلقها بشأن إمكانية نقل القطع الاثرية الفنية الهشة من اللوفر، غير أن الأمر بالنسبة لأبو ظبي يمثل فرصة عظيمة تستحق كل ما ينفق عليها، فمتحفها سيكون الاول في العالم الذي يملك حق التواصل على هذا المستوى مع متحف اللوفر، كما سيكون لهذا المتحف الجديد دور بارز في تعزيز التنمية الثقافية في الامارة عامة وعلى جزيرة ”السعديات “ خاصة، حيث من المنتظر أن يقام أيضا فرع لمتحف ”غوغنهايم “ الألماني الشهير . الى جانب التأثير الكبير المفترض للمتحف في تعزيز السياحة الى الامارات . وبينما يؤكد مبارك المهيري، نائب رئيس هيئة السياحة في امارة ابو ظبي، في حديث لصحيفة ”نيويورك تايمز “ ، أنه لن تكون هناك ”أية قيود “ على استعارة أية قطع من المتحف الباريسي . ومع المجموعة الرائعة من قطع الفن الاسلامي التي يملكها اللوفر (نحو 1000 قطعة)، فيمكن لنا ان نتخيل أن سكان الامارات وزوارها سيكون بمقدورهم التفرج على مجموعة منتقاة من الكنوز الأثرية الإسلامية الفريدة وقد عادت - ولو لفترة قصيرة - الى المنطقة التي تنتمي اصلا.
|
|







