Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
المعاملة الملوكية 





في رحلة على متن سفينة بخارية أنيقة تمخر عباب النيل، يكتشف سام بومبي أن أروع طريقة للتعرف على تاريخ مصر العظيم هي في اجواء الرفاهية الملوكية

إنه مقصد السياح الأقدم في العالم . فالنقوش القديمة المحفورة على الحجارة، عند موقع سقارة الأثري على بعد 25 كم جنوب غرب القاهرة، تؤكد على أن أعاجيب مصر ما تزال تخطف ألباب الزوار منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة وحتى اليوم . ومنذ نحو 450 عاما قبل ولادة المسيح جاء في إحدى أقدم مخطوطات
الأسفار، التي دونها المؤرخ وعالم الجغرافيا الإغريقي هيرودوتوس (424-484 ق .م . )، "ما من مكان في العالم يحوي هذا القدر من الأعاجيب المدهشة، وما من مكان تبصر فيه العين هذه التحف ذات العظمة التي لا توصف “ . عندما أرادت كليوباترا، ملكة مصر، أن تظفر بإعجاب يوليوس قيصر ”بهذه التحف ذات العظمة التي لا توصف “ ، اصطحبته في نزهة فوق قارب على ضفاف نهر النيل . ربما لم تدرك تلك الملكة، آنذاك انها بدأت ما اصبح فيما بعد من اكثر الرحلات السياحية شعبية، فما ان دخل أوائل السياح أراضي الفراعنة القديمة، خلال منتصف القرن التاسع عشر، حتى قاموا بدورهم بركوب القوارب في الإسكندرية، عاصمة مملكة كليوباترا، والإبحار نحو المعابد والقبور القديمة، في جنوب البلاد . والآن فان الجولة في نهر النيل تبقى النشاط السياحي الذي يحظى بأعلى اقبال في مصر بعد زيارة أهرامات الجيزة مباشرة .

غير أن هذا الأمر أدى إلى بعض المشكلات . وبما ان المخاوف الأمنية قد دفعت الحكومة إلى حظر الرحلات المائية في أرجاء مصر الوسطى، باتت الرحلة بالقارب، في أيامنا هذه، تقتصر على المنطقة الواقعة بين مدينتي الأقصر وأسوان الجنوبيتين، أي لمسافة قدرها 205 كم لا غير . ومع الاشارة الى ان المراكب السياحية التي تملك رخصة من وزارة السياحة يتجاوز عددها اليوم 340 قاربا، ورغم أنها لا تبحر جميعها في الوقت عينه، إلا أنها تتسبب بزحمة . ويفوق العرض الطلب في أغلب الأحيان، ولذلك يضطر العديد من منظمي الرحلات إلى خفض أسعارهم بشكل متواصل، بهدف جذب الزبائن، مما جعل الرحلات في النيل تهبط إلى أسعار لم يسبق لها مثيل قبلا قط . لكن مجموعة من رجال الأعمال الأذكياء أدركوا ان عليهم اتخاذ مقاربة مختلفة، ونظموا رحلات في النيل في شكل يمنح زبائنهم قدرا من الأناقة والترف عز نظيرهما .

من أحدث السفن التي غزت النهر، سفينة ”إس .إس . مصر “. ولعل أهم ما تمتاز به عن سلسلة السفن النهرية الأخرى هو حجمها : فهي تضم 24 مقصورة صغيرة لا غير، بالمقارنة مع المركب النموذجي الذي يضم عادة ثمانين مقصورة تقريبا . ويتشارك الركاب الثمانية والأربعون لهذه السفينة ثلاثة طوابق، مع مطعم ومقهى، وجاكوزي وصالة للاسترخاء على السطح، تحميها مظلات بيضاء . اضافة الى ذلك، فهناك التاريخ العريق لهذه السفينة : فقد كانت ”إس .إس . مصر “ سفينة بخارية بنيت لصالح الأسطول الملكي البريطاني، وأبصرت النور عام 1907 . وما لبثت أن أرسلت إلى مصر عام 1918 واستخدمت في الحرب العالمية الثانية، مع الإشارة إلى أنها بعد ذلك اصبحت ملكا لآخر ملك حكم مصر، اي الملك فاروق، الذي قام بتحويلها إلى مركب للتسلية والترفيه وكان يقيم على ظهره الحفلات بينما يمخر عباب النيل .

لكن حسبك أن تعود بالزمن بضع سنوات فقط إلى الوراء لترى أن ”إس .إس . مصر “ كانت مجرد هيكل صدئ متداع مرمي في إمبابا، إحدى ضواحي القاهرة، حيث عثر عليها طارق إمام، وهو مدير شركة ”ترافل لاين “ للجولات السياحية المصرية . في ذلك الحين، أثار اهتمامه شكل هيكلها، وما ان لاحظ المرجل والمحركات السليمة، حتى استحال شعوره حبا وإعجابا . فما كان من شركته إلا أن ابتاعت السفينة . في هذا السياق، يقول إمام ”قالوا إنني أصبت بالخبل، غير أنني كنت واثقا مما أقوم به “ . وأنفق الفنيون 18 شهرا في تجديد السفينة وتحسينها لتصل الى المواصفات التي وضعها إمام . وعندما انتهى العمل فيها أخيرا عام 2006 ، عادت ”إس .إس . مصر “ تقريبا إلى الحالة التي كانت عليها في الايام التي كانت تستخدم فيها لاستضافة حفلات أعياد ميلاد ملك مصر . فصالات الاسترخاء والأماكن العامة تحمل أجواء نوادي النبلاء، والأثاث يجمع، بذوق رفيع، بين التحف العتيقة الاصلية والقطع المصنوعة حديثا وفق الطراز القديم، بينما ألواح الأرضية الخشبية تصدر ذلك الصرير المألوف . ويقول إمام عن اجواء السفينة ”لكأنك في قصر من القصور “ .

وتجدر الإشارة إلى أن كلا من المقصورات مزينة بأسلوب يختلف عن الأخرى، فهناك تصاميم ”الآرت ديكو “ الذي كان سائدا في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، والطراز العثماني، وصالات الاستقبال ذات الطابع الإنجليزي. كما ان الابواب في جميع الغرف والصالات زجاجية، وهي على النمط الفرنسي، وتقود إلى شرفات خاصة صغيرة، وهذه ميزة تنفرد بها السفينة دون غيرها من مراكب النيل السياحية التي يكتفي معظمها بنوافذ ضيقة، لا سبيل إلى فتحها . ”السفينة كلها توحي بقصص أغاثا كريستي “ ، صاحب هذا التعليق هو نايجل هاوكس، مدير صندوق الاستثمارات، والذي يشغل مع عروسه جناح ”إس . إس . مصر “ البانورامي الواقع في مقدمة السفينة، والذي يحتكر الشرفة الوحيدة المواجهة للمقدمة (لا تتعب نفسك، فهذا الجناح محجوز لبقية موسم 2007/2008
وفقا لطارق إمام) . وما ان ترفع مرساة السفينة حتى تنقل ”إس .إس . مصر “ ركابها من مرساها بجانب ستة مراكب مكتظة بالحفلات الشعبية مساء حيث تصدح الأغاني الرائجة، إلى عالم من الأرستقراطية الخالدة . فيرتشف الضيوف المشروبات المثلجة، بينما يتأملون انسياب الحياة على طول ضفاف النهر : فلاحون يقودون جواميسهم نحو الترعة، وحمير ترعى العشب الاخضر المنتشر على الضفة، بينما طيور الغرنوق البيضاء ترفرف بين مزروعات القصب .

في مصر اليوم هناك مفهوم جديد بالنسبة للسياحة، مفاده أن ”الأقل هو الأفضل “. فقد بدأت الجهات الأكثر تبصرا في قطاع السياحة المصرية تدرك شيئا فشيئا أن الطريقة المثلى لحماية إرث البلاد تكمن في الحد من الأعداد الكبيرة للزوار، وتحقيق هذه المعادلة يأتي من خلال فرض أسعار أعلى .

لكن ما من مكان يضاهي الأقصر في تصوير الأثر الذي تخلفه السياحة على المنطقة، سواء سلبا أم إيجابا . فالسبب الرئيسي لوجود هذه المدينة اصلا هو الافتتان المستمر بمصر القديمة، وقد أخذت مساحة المدينة تتوسع حول آثار عاصمة المملكة الجديدة في طيبة، حيث كان بلاط أعظم الفراعنة، مثل رعمسيس الثاني . وبينما تمتد على الضفة الشرقية مساكن البلدة، والمطار، ومحطة السكة الحديدية، والفنادق، والمتحف، ومعبدان مهمان، لا يسع العين إلا أن تتأمل على الضفة الغربية المزيد من المعابد، والقبور، والنصب الخاصة بالمدافن، بما في ذلك وادي الملوك حيث يرقد ملوك الفراعنة في راحتهم الابدية . إزاء ذلك، هناك الزوار الذين يصلون بأعداد متزايدة، دائما وأبدا، من المطار الذي تم توسيعه حديثا، لينضم إليهم ثمانية آلاف سائح تنقلهم الحافلات كل صباح من منتجعات البحر الأحمر . وعندما تقع العين على بعض اللافتات، على غرار ”مجوهرات يوركشايرز بوب “ و “نقل مباشر لكرة القدم الأوروبية “ ، فان السائح يكاديشعر أنه في قلب أحد المنتجعات الساحلية الإسبانية، اكثر مما هو وسط واحدة من اهم حضارات العالم القديم، إلى جانب ذلك، تعتبر أسعار العطلات إلى الأقصر في بعض أجزاء أوروبا، منخفضة لدرجة دفعت بالمسافرين إلى حجز أمكانهم لا لشيء إلا لاغتنام فرصة قضاء أسبوع تحت أشعة الشمس، بجانب حوض السباحة .

في حالة واحدة على الأقل، اضطرت السلطات المصرية، نتيجة التأثير السلبي الذي خلفه العدد المفرط من الزوار، إلى اتخاذ إجراءات صارمة . وذلك كان
بخصوص قبر نفرتاري (ويعني اسمها ”أجمل النساء “ ) الزوجة المفضلة لرعمسيس الثاني، الفرعون العظيم، الذي كانت ولايته من أطول الولايات على عرش مصر، وقد عرف بنصبه الأثرية العظيمة التي أمر ببنائها تمجيدا لنفسه، على غرار ”معبد أبو سمبل “ ، حيث أربعة تماثيل هائلة يبلغ ارتفاعها عشرين مترا، تصور الفرعون رعمسيس جالسا . أما زوجته، فلم يكن تقديره لها أقل، حيث أعد لها أروع القبور، وأمر بتغطية سطح المدفن بنقوش دقيقة وتصاميم معقدة . ولعل المثير للعجب أن قبرها لا يزال قائما حتى اليوم، بألوانه الزاهية النابضة بالحياة، ورسومه الدقيقة التي لا تزال محافظة على هيئتها الأخاذة، لكأن يد فنان خطتها قبل ساعات ليس إلا . غير أن نقطة ضعف الجص الملون هي إمكانية تضرره بالأنفاس البشرية للعدد الهائل من الزوار، ولذلك قررت السلطات إغلاق المدفن الأثري في وجه الزوار منذ عام 2003 ، إلا في حال كان الزائر قادرا على دفع 3600 دولار أمريكي . فهذا هو المبلغ المطلوب كي يتخذ المجلس الأعلى للآثار في مصر قرارا بفتح المدفن واتاحة زيارته لعشر دقائق فقط . بعبارة أخرى، تعادل كلفة الزيارة 360 دولارا للدقيقة الواحدة، أو ستة دولارات للثانية التي تنفقها داخل القبر . فهل هذا القبر هو أغلى موقع سياحي في العالم؟ على الأرجح، نعم .

على بعد بضعة كيلومترات من قبر نفرتاري، يقع مثال آخر يثبت ابتعاد منطقة الأقصر، شيئا فشيئا، عن السياحة الشعبية التي تستقطب أعدادا غفيرة من الزوار . ونعني بذلك فندق ”المديرة “ الصغير الأنيق، وهو ”بوتيك اوتيل “ الاول في الأقصر (والثاني في مصر كلها) . وفي حين تصطف سلسلة الفنادق العالمية جنبا إلى جنب في وسط المدينة وتهدر الحافلات حولها بمحركاتها وضجيجها، فان فندق ”المديرة “ سبق زمانه وافتتح أبوابه قبل خمس سنوات، دون غيره من الفنادق، بين حقول قصب السكر الواقعة عند الضفة الغربية . وهو يجذب الأنظار بتصميمه الهندسي البسيط الذي يجمع بين الرسوم التركية، والمصرية، والشمال إفريقية، ليبتكر واحة شرقية بين الحدائق الغناء . أما كل من غرفه الأربع والخمسين، فتمتاز بسقف يرتفع لأربعة أمتار ولوحات جصية مطلية باليد . وتشبه حماماته غرف الاغتسال المقببة المطعمة بالزجاج الملون في الحمامات القديمة .

جاء هذا الفندق من بنات أفكار صاحبته زينة أبو خير، وهي مصممة مجوهرات ومصورة لبنانية، عاشت في القاهرة قبل أن يأسرها فولكلور الجنوب المصري وأسراره . وكانت زينة قد صرحت لصحيفة الأهرام قائلة ”قررت أن أنشئ في المنطقة فندقا لا يجذب إلا السياح ذوي المكانة الرفيعة، فهؤلاء هم الذين خسرتهم مصر في الآونة الأخيرة، للأسف “.

في ”إس .إس . مصر “ ، وجدت مجموعة من نخبة السياح الذين اعتقدت زينة أبو خير أن مصر خسرتهم، كانوا مسترخين على الأرائك الجلدية داخل صالة الاستقبال . من بينهم مهندس متقاعد، وروائية مفعمة بالحيوية مع رفيقها، ومدير الصندوق الاستثماري برفقة زوجته الطبيبة النفسية المتخصصة بشؤون الأطفال . وفي وسطهم كان يقف محمد، الدليل السياحي المهذب، وهو أيضا مرافقهم ومرشد التسوق الخاص، يحدثهم عن الرحلة التي سيقومون بها فجرا بالمنطاد فوق ضفة الأقصر الغربية . أما السعر، فلا يزيد عن 380 دولارا للزوجين . ولم يؤثر هذا الثمن الباهظ على نسبة الإقبال . وبالتأكيد، فان خوض عباب النيل، واتباع مسار المركب الذي تنزهت فيه كليوباترا يوما، أمر باعث على السرور، لكن حتى ملكة النيل نفسها لم تنعم بفرصة مشاهدة أراضيها من علو 400 متر قط.

 










  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة