Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
الحياة في جزيرة مهجورة 





تصوير: ستيف جي بينبو

هدف لهجمات جيوش البعوض التي لا ترحم، ومنهك من التعب . اضطر أيان بيلتشر لقتل اخطبوط في صراعه لاجل البقاء حيا في جزيرة مهجورة، لكنها فاجأته بتغير كلي حين عاد اليها

لا شك انني قد قرأت سابقا مقالات عن السفر وبدت لي أكثر الهاما وامتاعا . ولكن في تلك الفترة كنت قد عقدت العزم على السفر لقضاء أسبوع في جزر سيشيل، الملاذ الذي يتردد إليه أبناء الطبقات الحاكمة، والعائلات المالكة، وطوني بلير . والحق يقال، لا اظن ان أصحاب المستوى الرفيع هؤلاء سيعجبون بالجزيرة التي اخترتها رغم ان كتيب السفر ”يقول إنها جزيرة رائعة غير مأهولة، ”تقبل الأمواج سواحلها بلطف “ ، مضيفا أن أكثر ما يجذب إلى هذه الجزيرة هو الغوانو، أي زرق الطيور البحرية الذي يستخدم كسماد .

والحق يقال، أنني لم أسافر إلى ”جزيرة الشمال “ ، هذه البقعة من صخور الصوان في المحيط الهندي، أملا في عطلة لاكتساب السمرة . بل في الواقع، لأخوض تجربة قاسية استمرت أسبوعا بحاله، استطلاعا لاحدى الرحلات الغريبة التي تعد لرؤساء الشركات المغامرين . سمحت لي الشركة السياحية باقتناء سكين جيب وعلبتين من الواقي الذكري، وهذه الطريقة تستخدم أحيانا في البيئات العسكرية لتخزين الماء . وبدا هذا الأمر ضروريا للغاية، خاصة وأن أنظمة الجسم تصاب بالوهن بعد 72 ساعة من الجفاف . ولزيادة مصداقية المغامرة، ارتديت سترة رسمية، وهو زي يروج دائما في ظل حرارة استوائية بحدود ال 32 درجة، فبدوت أشبه براكب رفيع المستوى، نجا للتو من حطام سفينة .

تركوني وسط جزيرة ذات جمال يخطف الألباب، وفي ذهني ترن كلمات رجل من أهل المنطقة غزا الشيب شعره ”أتزور جزيرة الشمال بدون شبكة واقية من البعوض وصنارة صيد؟ ستخوض حربا حقيقية !“ كانت الجزيرة تمتد فوق بساط من الرمال النقية، لونها أبيض لدرجة يخيل للمرء معها أنها مكونة من عظام مطحونة . وفي الأعلى، تبرز جبال مكسوة بالأدغال، فيما تترقرق المياه بهدوء كحوض سباحة خافت الأضواء في لوس أنجليس.

اليوم الأول

يمكن للمظاهر أن تكون حقا خداعة . فالطقس كان رطبا بشكل يفوق الاحتمال، والرحلة الشاقة من نبع المياه العذبة حتى الشاطئ، حيث قررت أن أحط متاعي، تستغرق 45 دقيقة . ولزيادة الطين بلة، بدت الطريق ملغومة بثمار جوز الهند المتساقطة، وخمسين شبكة من شبكات العناكب على الأقل . كنت أبصر حبالها منسوجة هنا وهناك، تسكنها عناكب برتقالية اللون تماثل يدي حجما . صحيح أن الجزيرة لا تؤوي ثعابين أو حشرات سامة، لكن بعد مراقبة إحدى هذه المخلوقات وهي تطبق على دبور وقع في شركها، قررت أن أتعامل مع هذه الطريق، المعروفة بممر العناكب، بمنتهى الحذر .

لكن الأمر كان يستحق العناء . فقد كان موقع منزلي، وهو عبارة عن هيكل خشبي بين شجرتين، مع سقف وجدران وأرضية مفروشة بسعف النخيل، مثاليا لكل وكيل عقارات : مشهد غروب الشمس، نسائم عليلة، أجواء هادئة مع عدم وجود جيران،
فضلا عن غصن قريب لتعليق أربعة واقيات ذكرية مليئة بالماء، بدت أشبه ببالونات ماء جاهزة للاستعمال .

وما لبث الشاطئ أن طالعني بهدية مفاجئة ذات لون ذهبي، حيث اكتشفت علبة من أعواد الثقاب التي تستخدم عادة في علب الإسعافات الأولية . فتركتها تحت أشعة الشمس حتى تجف . لقد تأمنت وسيلة اشعال النار طيلة الأسبوع . لكن، لسوء الحظ، لم يكن لدي أي شيء للطهو، وجبتي الأولى يمكن ان تكون من ثمار جوز الهند، غير أن ساعتين من الركل والضرب لم تفلحا في فتح قشرة ثمرة واحدة . فاكتفيت بتناول ثمرة مانغو فجة من أشجار المزارع القديمة .

الليلة الاولى اتسمت بإصابتي بعسر الهضم والتعرض لوابل من جيوش البعوض . وبحلول الفجر، كانت عضات البعوض الحمراء الملتهبة قد كست الكاحل والقدم مني وصولا إلى الأذنين .

اليومان الثاني والثالث

في ذاك الصباح الجميل، تسلحت بثمرة مانغو فجة أخرى، وحاولت أن أصطاد السمك بالرمح . كنت استطيع أن ألمح غدائي المأمول وهو يسبح في الماء، لكن نظرا لانعكاس الضوء، كانت كل طعنة من عمود الخيزران المدبب تبوء بالفشل، على نحو يثير الشفقة . بعد مضي خمس عشرة دقيقة فقط كنت منهكا . وفجأة، رمت بي موجة عنيفة نحو الصخور، ففقدت عدساتي اللاصقة وتمزق سروالي .

وجدت في مغيب الشمس فرصة أخرى لصيد السمك . فاستخدمت خفا كصنارة عائمة خفية، بينما ربطت الحبل حول يدي . بعدلحظات كنت قد أمسكت بغنيمة، إلا أن السمكة القوية جرحت ثلاثة من أصابعي قبل أن تنجح في الانفلات من أسرها . وهكذا، أنفقت ساعتين ليكون العشاء، كنوع من التغيير، ثمرة مانغو فجة . وهكذا كان عشائي ذلك اليوم وفطوري في اليوم الثالث . وكذلك الغداء . ولم تنفرج الحال إلا في عصر اليوم الثالث، عندما نجحت في اسقاط بعض الثمار الخضراء الصغيرة، عرفت لاحقا أنها تعرف ب “بيغاراد “ (نوع من البرتقال) . ومع أنها كانت حامضة بشكل لا يطاق، إلا أنها على الأقل ليست مانغو . كما وجدت أداة من أدوات الزراعة، مقلوبة رأسا على عقب، تصلح لفتح ثمار جوز الهند .

بات الطعام، أو بالأحرى الافتقار إليه، هاجسا مريرا لدي . وفي الليلة الثالثة سجلت انتصارا مذاقيا عندما نجحت في اصطياد سمكتين صغيرتين . ومع اتمام طهيهما، كان الليل الحالك قد أسدل ستاره، بحيث رحت أتناولهما دون أن أبصر شيئا . كان الطعم في البداية رطبا، ثم مقرمشا، وما لبث أن أصبح لزجا، فأدركت أنني قد أكلت لتوي عين السمكة . لكن الأمر لم يكن سيئا جدا . وبعد هذه الوجبة الفاخرة جاء وقت الحلوى من المانغو وبرتقال البيغاراد، فأصبحت متخما بالطعام إلى درجة صرت معها عاجزا عن الحركة . لقد أمسيت الصياد والطريدة في آن . صحيح أنني بدأت أتناول الطعام، لكنني كنت أيضا أؤكل حيا . وبحلول الليلة الثالثة، كان لدي أكثر من مائة وأربعين عضة بعوض، والكثير منها في أماكن لن يجرؤ المرء على حكها في العلن . كنت انام لثلاث ساعات ربما، وأعاني تقلبات حادة في المزاج . فإذا اصطدت سمك القشر المرجاني اللون، وغمسته بحليب جوز الهند والبيغاراد رقصت ابتهاجا، وإذا أصبت بحروق الشمس، أو تشابكت حبال صيد السمك، أو استحال لون بولي ذهبيا داكنا، غرقت في كآبة فورية . وعندما سقط مني سكين الجيب في البحر وفقدته، كدت أبكي بحرقة . ومن التعب، يأتي أيضا الكسل والبلادة . فعندما سبح أحد البحارة الألمان نحو الشاطئ، في مشهد سريالي بلباسه الداخلي الصغير، لم أكلف نفسي عناء النهوض لاستقباله . عوضا عن ذلك، رحت أردد العبارات الجاهزة عن جمال الشاطئ على الجهة الاخرى للجزيرة، ووجهته نحو ممر العناكب، مع الإشارة إلى أنه كان حافي القدمين . وكان هذا آخر عهدي به .

اليومان الرابع والخامس

في اليوم الرابع، سجلت إنجازاً. صحيح انني لست فخورا به، لكنه يبقى إنجازا . فقد لمحت غطاسا عند شعاب المرجان البحرية، لوحت له، وأنا أنوي أن أدفع له بعض الجنيهات ليصطاد لي شيئا آكله . لكن لم تكن ثمة حاجة لذلك، فقد قدم لي اخطبوطا بالمجان، وما لبث أن غطس ثانية ليعود بسكين الجيب الذي فقدته . لن يعرف هذا الرجل أبدا كم أسعدني . ولكن كان لا بد لي من قتل غدائي قبل تناوله . تعلق الأخطبوط بذراعي كما لو أنه طفل صغير، فيما راحت عينه السوداء الكبيرة تتتبع كل حركاتي . بدا مؤثرا بشكل غريب . لكن الجوع لا يرحم وقد يعمي الأبصار، فلم أر فيه إلا الوجبتين اللتين كانتا تنتظرانني : أذرعه للغداء، وجسمه المقطع الأوصال للعشاء، وما كان مني إلا أن نزعت أحشاءه برفق بواسطة سكيني الكليلة . لكنه تمكن من الانتقام مني سريعا . فبالافتقار إلى أي نوع من التوابل، بدا لحمه أشبه بإطار مطاطي طعما، وسد نظامي الهضمي لثمان وأربعين ساعة . ورغم ذلك، شجعني هذا التغيير في نظامي الغذائي على القيام برحلة لتعبئة بالوناتي بالماء، والاستحمام بمياه النبع، وغسل ثيابي . فكان أن اكتشفت شجيرات ”تاكاماكا “ التي يعتقد أبناء المنطقة أنها طارد طبيعي للحشرات، إذا فركت بشرتك بلحائها .

وكم كانوا على خطأ ! ففي صباح اليوم الخامس، احتسبت حوالي ثلاثمائة عضة، منها ما يغطي جفوني . صحيح أن روبنسون كروزو كان معدما، لكنه على الأقل كان يملك من الوقت ما يكفي . حينها أدركت أنني بحاجة إلى مشروب قوي، فسخنت ثمرة جوز هند، وجمعت بخار الحليب عبر أنبوب قديم، داخل علبة بلاستيكية وجدتها على الشاطئ . ثم تركته يتخمر ليومين وبدا أنه سيصبح مشروبا فريدا .

اليومان السادس والسابع

زحفت الساعات الثماني والأربعون التالية ببطء شديد . ونجحت في اصطياد بضعة أسماك، وجربت طريقة جديدة لمقاومة البعوض، من خلال تمزيق قميصي إلى أجزاء صغيرة وتعليقها حول رأسي، غير أن الأمر لم يجد نفعا، كما بدا منظري غريبا .
رغم ذلك، لم يمنعني التعب من تقدير جمال جزيرة الشمال . ففي اليوم ما قبل الأخير، تسلقت جبل كيستريل، حيث تمتعت بمنظر رائع للبحر والجزيرة، كما أبصرت سمكة سوداء خطيرة تحوم حول شعاب المرجان البحري .

ولسوء الحظ، لا يمكن للمرء أن يأكل المناظر الطبيعية . وفي الواقع، كنت مستعدا فعلا للعودة إلى بيتي . وفي الساعة الأخيرة لي على الجزيرة، شربت احتفالا ببقائي على قيد الحياة، كأسا من مشروب جوز الهند المخمر ”شاتو نوف دو نو “ الذي صنعته بنفسي . كان الطعم يجمع بين جوز الهند الفاسد والبنزين . باختصار، بدا مثيرا للاشمئزاز . وفي نهاية المطاف رحلت على متن قارب صيد وأنا أخف وزنا وأطول لحية، وقد بلغ مني الإعياء مبلغه . ولم أكن أنوي العودة إلى هذه الجزيرة قط .

بعد خمس سنوات

خمس سنوات مرت على تلك التجربة، ها أنا أعود إلى جزيرة الشمال لزيارة أحدث منتجع بيئي أنيق على شاطئ البحر : إحدى عشرة فيلا واسعة، تمتد كل منها على مساحة 450 متر مربع، أي ما يفوق ملاذي المتواضع حينذاك ب 225 ضعفا . وفيما كان كوخي بناه رجل إنجليزي مهووس بالبعوض، فإن هذه المباني شيدت بجهود 250 حرفيا، منهم بناؤون من بالي ونحاتون من تنزانيا . يقوم على خدمة الضيوف هنا خدم مدربون يطلق عليهم ”رجال فرايدي “ تيمنا باسم خادم روبنسون كروزو، ويضم المجمع حمامات للغطس، ودشا في العراء بين أغصان الأشجار، وأروقة مسقوفة تشرف على أحواض سباحة تلتف كالدوامة . أما قرب الأروقة والمطعم، فتتمازج عناصر الطبيعة مع التصميم الفاخر، حيث زين المكان بأشجار التاكاماكا العالية التي بدت أشبه بعواميد من طراز ”غودي “ ، وتناثرت فيه ارائك وثيرة، وشمعدانات مزينة بعرق اللؤلؤ، وقطع بحواجز مرجانية اللون . رحت ألتهم باستمتاع شديد أطباق الثمار البحرية الطازجة مع الخضراوات المحلية المزروعة عضويا، التي أعدها طاه ذاع صيته في أرجاء مانهاتن، وكأنني انتقم من ايام الجوع التي قضيتها على هذه الجزيرة، احلم باصطياد سمكة . كانت الآلات الطنانة قد نظفت المكان من البعوض، فيما تولى برنامج بيئي التخلص من الجرذان والهررة، استعدادا لجلب الطيور وزراعة الأشجار المحلية . ومع أن المكان كان رائعا فعلا، غير أنني شعرت ببعض الحنين لبريتي القديمة . فوجدتني أتوجه إلى حيث كان مسكني المتواضع، لأفاجأ بأن المكان الذي شاهدت منه السلاحف في ضوء القمر، بات طريقا معدة لعربات الغولف الكهربائية .

وعلى الشاطئ، عند رواق المشروبات المكسو بالقش، التقيت نورمان، وهو منظم جولات سياحية من ميامي، وقد أخذ يعد لائحة بالزبائن ”الأثرياء القادرين على تحمل أعباء السفر “. فقال لي ”هذه الجزيرة مجهولة، وتفتقر إلى الترويج التجاري . إنها مكان يتيح لك أن تعيش تجربة روبنسون كروزو بأصالة في عالمنا الحديث “.

معك حق يا نورمان . في ما خلا البعوض، والأرق، والجوع، والوحدة، والوصول الى حافة الجنون، معك حق على الأرجح.

 










  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة