Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
مشروب الذهب الأخضر 










في رحلة إلى مزرعة تامسونغ في بلدة دارجيلنغ الهندية على سفوح الهيملايا،
يكشف كيفين غولد التفاني المذهل وراء إنتاج أفضل شاي في العالم

يرفع موظف الهجرة في مطار
باغدوغرا رأسه، ويحدق إلي من
خلال نظاراته السميكة، ويسألني
”هدف زيارتك الى دارجيلنغ؟“.
فأجيبه بإيجاز ”الشاي“. فإذا بزملائه
الموظفين بقمصانهم الخاكية،

يضحكون ملء أشداقهم، ويهتف
أحدهم ”الشاي في الخارج لا يكلف
إلا 10 روبية!“ كيف أخبرهم أنني لم
أقصد هذا المكان أملاً في كوب من
شاي ”المستنقعات“، بل شددت
رحالي خصيصاً إلى موطن الذهب
الأخضر، ”مزرعة تامسونغ“، التي
تعتبر بمثابة تاج محل الشاي؟ عوضاً
عن ذلك، التزمت الصمت ورسمت
على وجهي ابتسامة متكلفة، وتسلمت
جواز سفري وخرجت، لتلفحني موجة
هواء حار وكأنني دخلت فرنا طبيعيا
ضخما، ولتلقي الحرارة بثقلها على
كاهلي وتضاعف من وزن حقيبة آلة
التصوير على كتفي.

استقبلني المرشد فيجاي بارمار، أحد
معلمي زراعة الشاي في دارجيلنغ.
وهو رجل طويل القامة، ذو ملامح
قاسية، له شارب أشعث أحمر اللون
يغزوه الشيب. وبينما هو يقود سيارة
الجيب بجنون، لم يرفع يده عن البوق،
ليبعد بذلك راكبي الدراجات الهوائية
وأسراب الدجاج من وسط الطريق
الإسفلتية المؤدية إلى الجبال. وما إن
وصلنا إلى مجرى النهر الواسع الجاف،
حيث يقطن آلاف من سكان السهول
الهزيلي البنية والداكني البشرة، حتى
أشار قائلاً ”طريق بانكافاري من هنا“.
صعدنا بالسيارة 1500 متر في طريق
متعرجة رديئة، ودخلنا عالماً مكسوا
بالأعشاب الزمردية اللون، يسيطر عليه
ضباب رطب بارد. وقد بقينا لساعتين
نتنافس مع قطار الهيملايا على السكة
الحديدية، وتغلبنا خلال مسيرتنا على
قطيع مكتظ من الجواميس، ومررنا
بمجموعة من رهبان التيبت الهائمين
في ”غوم“، وهي أعلى محطة للسكك
الحديدية في العالم. أخيرا، أدار
بارمار المقود نحو دارجيلنغ التي
طورها البريطانيون لتصبح بلدة
سكنية قائمة على التل، بغية الفرار
من الحرارة المزعجة لسهول البنغال
في الصيف.

أخذ”مرشدي“ يتصارع مع مقود
سيارته على طريق فرعية، خطيرة
ووعرة، لكنها سبيلنا الوحيد إلى
”مزرعة تامسونغ“. كنت أشعر بالقلق
كلما أفكر في شاحنات نقل البضائع
وهي تشق طريقها إلى هذا المكان،
ثم تعود منه لتنقل إلينا أجود أنواع
الشاي. كان الطريق مكتظاً بطلاب
يتضاحكون، إلى جانب قاطفي
أوراق الشاي، وهم يعلقون حزماً من
الخيزران، إلى جبينهم بواسطة رباط
واسع من النسيج الناعم. أما النساء
فقد خضبن شفاههن بلون أحمر
مشرق، وزين أياديهن بأسوار زجاجية.
بل إن إحداهن كانت تحمل مظلة
واقية وهي تقطف الأوراق الخضراء.

يمتد بساط شجيرات الشاي كنسيج
أخضر أنيق، يشبه ذاك الذي تكسى
به طاولات البلياردو، ليعانق قاع
الوادي أسفل المنحدر. أما الممرات
التي يسلكها القاطفون، فتحيط بكل
شجيرة، مما يوحي أن سجادة بلون
أخضر زبرجدي تنمو وسط شبكة من
الأسلاك. وهذه الشجيرات نفسها،
التي زرعها البريطانيون قبل مائة
وخمسين عاما، ما تزال تنتج أفضل
شاي في دارجيلنغ، كما أن مكانها
المنعزل، وتفاني أهل المنطقة في
إنتاج النوعية الأفضل، يجعلان من
”مزرعة تامسونغ“ حديقة عضوية
بامتياز. وبينما ألاحق بنظري زوجا
من الفراشات ترفرف على جناح
نسمة، ينبري السيد بارمار ليشرح
لي أن مبيدات الحشرات هنا تُصنع
من الأعشاب البرية، وأن الموز يزرع
للحفاظ على البوتاس في التربة.
السحالي وثعابين الأصلة، فتترك
وشأنها لأنها تساهم في التوازن البيئي
الطبيعي، وهي تختبئ تحت الأشجار
التي تحوم حولها ليلا نمور الثلج
البيضاء والغزلان الآسيوية الصغيرة.

لا يجمع القاطفون إلا الورقتين
اليانعتين في أعلى كل شجيرة شاي،
نظرا لأنهما تختزنان أجود أنواع
البوليفينول وأكثرها تركيزا، وهي
المادة التي تعطي الشاي مذاقه اللذيذ
المميز. وما يلبث هذا المحصول
الثمين المقطوف بعرق الجبين، أن
يُنقل عبر ساحة المدرسة الصغيرة، نحو
المصنع المكسوة جدرانه بالكلس،
لتقدير وزنه ومعالجته. وفي هذا
المكان الهادىء النظيف، تدور الآلات
الفيكتورية المصقولة بواسطة طاقة
يولدها مجرى الماء ضمن المزرعة. أما
في الطابق الأعلى، فتُنثر أوراق الشاي
المبللة بقطرات الماء الفضية داخل
أوعية طويلة، حيث تذبل في حجرات
عالية الأفاريز، اما رائحتها فكعطور
”إيسي مياكي“ الشذية. وما تلبث
الأوراق الذابلة أن تُلف داخل آلة ذات
حافة نحاسية، حيث يُنخل المزيج
لتقدير حجمه، قبل أن تترك أفضل
الأوراق، بعناية بالغة، للتأكسد في
البيئة الرطبة، حيث تتحول بهدوء من
أوراق خضراء اللون إلى نحاسية بنية.
بعد ذلك، تُنقل الأوراق المجففة إلى
مرجل يعمل يدويا، مزود بأبواب مخرمة
قوطية الطابع، بناه آل دافيدسون من
بلفاست قبل مائة عام.

في الكوخ الكبير الخاص بمدير
تامسونغ، يحتسي الذواقة شاي
دارجيلنغ دون حليب، مع مقدار
ضئيل من السكر. فتكفي إضافة ملعقة
صغيرة من الشاي، لكل شخص، إلى
وعاء دافئ يحوي ماء عذبا تم غليه
للتو. بعد ذلك، يترك الشاي للتخمر
بين ثلاث إلى سبع دقائق، فيستحيل
لونه من الأصفر الشاحب إلى
النحاسي الشاحب. وتجدر الإشارة إلى
أن في مزرعة ومصنع تامسونغ تنتج
أفخر أنواع الشاي الأخضر وأكثرها
رقيا، بطعم ررائع قوي النكهة، لطيف،
منعش ومعقد، شاي سترغب دائما في
شربه، ولن يتمكن حمض التانن الحاد
الطبيعي الناتج عن أورا%8

  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة