Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
خطى من ذهب 





تحول العديد من القصور السابقة في الهند إلى فنادق فخمة، وأصبحت الإقامة فيها متاحة للجميع بعد ان كانت حصرا على الامراء. إيان بلتشر يتجول بينها متذوقا طعم الرفاهية الملوكية

إنني أتتبع الآن خطى الأمير تشارلز تماماً لدرجة أنني أكاد أطأ آثار حذائه الجلدي، المفصل خصيصا لأجله. فقبل أقل من أربع وعشرين ساعة، غادر هو وكاميلا فندق ”قصر أومايد باوان (Umaid Bhawan Palace Hotel) “ في جودبور. وها هو الشخص المسؤول عن خدمتي يقودني في جولة ضمن جناحي الأنيق، المزين بأسلوب بدايات القرن العشرين، مع الإشارة إلى أن سبعة خدم كانوا قد وضعوا في تصرف الأمير البريطاني وزوجته اللذين غادرا للتو.

لعل تتبع خطى سيد قصر ويندسور هو أفضل بداية لجولتي في راجستان، المكان الأسهل على وجه الأرض الذي يمكن فيه تجربة حياة الملوك الآسرة. ورغم ان سلطات المهراجات تعرضت للكثير من التهميش وانتهت تقريبا، إلا أنهم تمكنوا من المحافظة على شبكة قصورهم المهيبة وبيوتهم الفخمة ومساكن الصيد، بتحويلها إلى فنادق فخمة ومساكن تراثية أنيقة. وهكدا فاني أتوقع لجولتي في الهند ان تتحول الى ما يشبه الموكب الملكي.

يرتفع أمامي ”قصر أومايد باوان“، حيث أقامت إليزابيث هيرلي حفل زفافها في وقت سابق من هذا العام، مؤكدا لي بأني لن أصاب هنا بخيبة أمل. اكتمل بناء هذا الصرح عام 1943 ، بعد خمسة عشر عاماً من الجهود التي بذلها ثلاثة آلاف عامل، ليصبح أكبر القصور مساحة في العالم بهندسة معمارية تمزج بين الشرقية الطابعين الغربي والشرقي، بدءاً من الحجرات المصممة على طراز ”الآرت ديكو“ البسيط العائد لبدايات القرن العشرين، إلى قبة شاهقة من عصر النهضة فأبراج مزخرفة بأسلوب ”الراجبوت“. وانا مقيم في الجناح الشمالي، بينما تعيش أسرة مهراجا جودبور على بعد مائة يارد عني في الجناح الجنوبي.

تزدان الجدران من حولي بصور الأجداد بشواربهم المفتولة المثيرة للإعجاب، وفي غرفة الجوائز والتحف فتتباهى بعرض أنياب الفيلة الضخمة، بينما يبدو لي أن قاعة البلياردو أكبر من كامل شقتي حجما، اما جناحي الفاخر، فهو مكان أنيق في منتهى الترف، مجدد حديثا، وهو يضم مرايا من طراز ”الآرت ديكو“، وبسطا ومصابيح جنبا الى جنب مع شاشة تلفزيونية حديثة ضخمة، وحمام مجهز بدش يمكن أن يرسل عليك وابلاً من المياه القوية الأشبه بالعواصف الموسمية. لكن عندما قادني خادمي إلى جناح الأمير تشارلز، حيث أبصرت اللوحة الزجاجية الجدارية عن الالهة كالي، والحمام الأشبه بالكهف، المنحوت من قطعة واحدة من الرخام زهري اللون، بدا لي بما لا يدع مجالاً للشك، أن لا اكثر من لاعب صغير في عالم الملوك.

ويحل المغيب، فيتواصل هذا الشعور الرائع بأنني أمتع نفسي، ولو لوقت قصير، بهذا المستوى الذي لا يصدق من الترف والامتيازات. وأحدق عبر المرج الأخضر البديع، وأنا أحمل كأس المشروب في يدي، فيخيل إلي أن المرج نقطة خضراء وسط الأفق البني المغبر. صحيح أن مدينة جودبور وصخبها لا يبعدان عني إلا مسافة ميل، إلا أن كل ما يتناهى إلى مسامعي هو صوت الثلج في كأس البلور، وصيحة الطواويس بين الحين والآخر.

لكن إذا كان هذا القصر مذهلا، فبماذا أصف المنزل السابق الذي سكنه آل ماروار؟ وهو ”قلعة ميهيرانغار(Meherangarh Fort) “ التي بنيت في القرن الخامس عشر. ويمكن من القصر رؤية هذه القلعة، التي وصفها روديارد كيبلنغ بأنها ”عمل من صنيع الملائكة والمردة“، وهي تستحق زيارة خاصة عن كثب.

في متاهات ساحاتها الشاسعة، تجد الممثلين، والعازفين وقارىء الكف ”س.ل. شارما“. الذي تمكن بسرعة من التعرف على أهم سمات شخصيتي وهي كما قال ”المماطلة، والحساسية المفرطة، وانعدام حس القيادة!“، قبل أن ينتقل إلى حياتي العاطفية. وما إن تمعن في كفي، حتى راح يسود الصفحات بحروف هيروغليفية، ويخربش رسوماً تخطيطية كيفما اتفق، قبل أن ينقر أرقاما على آلته الحاسبة، ثم يقول وهو يظهر لي الناتج وهو 35.777774 ،”لقد انفصلت عن شريكتك عند هذه السن. أنت مثال الرجل الرومانسي“.

في اليوم التالي، بدأت جولتي في شكل جدي. وانضم إلي، خلال المرحلة الأولى من الرحلة، مهراجا جودبور، غاج سينغهي الثاني. اما أكثر ما انتزع إعجاب المهراجا البالغ من العمر 59 عاماً، فهو فرصة قيادة سيارتي الرولز رايس الشبح، وهي أحدث تصميم للسيارة التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بالعصر الذهبي لأمراء الهند. فقد اشترى المهراجات % 20 من إنتاج الشركة ما بين الحربين، لا بل إن مدراء الشركة أنفسهم استخدموا عبارة ”نحن نصنع سيارات مايسور“ تيمنا بمهراجا مايسور الذي كانت كل طلبية له من رولز رايس تتضمن سبع سيارات معا.

أما الأرستقراطيون الهنود اصحاب الثراء الفاحش، فكانوا يطلبون سيارات تتناسب ألوانها مع خفاف زوجاتهم ذات اللون الزهري، أو يرصعونها بالماس، أو كما فعل مهراجا ألوار، يحيلونها إلى سيارة لنقل القمامة. ومعظم السيارات التي نجت من التخريب موجودة اليوم ضمن المجموعات التي يتداولها هواة جمع السيارات الكلاسيكية، ولتجربة حياة الترف ما قبل الاستقلال، فهذه هي السيارة المناسبة. كانت الخنادق الصخرية تتلون بظلال برتقالية وزهرية خفيفة، بينما نحن نتجه نحو الناحية الغربية، وتطرقت الأحاديث الملوكية عن الجد الذي عرّف مهراجات جودبور إلى لندن خلال الاحتفال بيوبيل الملكة فيكتوريا، والى بيتر أوتول الذي صور فيلماً في ”قصر أومايد باوان“، حيث ”حطم زجاج الكثير من النوافذ أثناء ممارسته لعبة الكريكيت على الشرفة“، فضلاً عن واجبات المهراجا في الحقبة المعاصرة، وقال رفيقي ”لا أمانع في غرس الأشجار في المدارس، لكن لا يمكن أن أقدم على افتتاح المتاجر“. رغم ذلك، ما زال سموه قادرا على فرض قدر هائل من الاحترام. فعند وصولنا إلى بوكاران، وهي قاعدة حدودية عند التخوم الغربية لإمارة ماروار، تم الإعلان عن وصولنا بنثر تويجيات الأزهار، والغناء، وإطلاق تحية مدوية بطلقات سبع عشرة بندقية. الحصن القديم، الذي يتضمن أقساماً تعود إلى الحقبة الممتدة بين القرن الرابع عشر وأواخر القرن التاسع عشر، تحول اليوم إلى فندق فخم بعشرين غرفة. حيث يمكن للنزيل في هذا المكان الرائع، أن يتأمل الثريات، والزجاج الملون، والأفاريز، والقناطر، والقباب المزخرفة. وهذا الفندق الذي افتتحه أحد أقارب المهراجا البعيدين، بعد إهماله لعدة سنوات، هو نموذج لموجة الفنادق الجديدة التي تحافظ على قدر من الحميمية والطابع الخاص، مقارنة مع فنادق القصور الباذخة. ويقول المهراجا ”تضم راجاستان اليوم تسعين منها تقريبا، يبلي العديد منها بلاء حسنا. الشباب اصبحوا يعودون في هذه الايام من الخارج أو من المدن، مما يمنح هذه الأماكن فرصة جديدة للعيش“.

بعد ليلة ثانية قضيتها في ”قصر أومايد باوان“، كانت مغادرته أشبه بالخروج من رحم الأم. غير أنني كنت قد قررت التوجه نحو أويدايبور، فانعطفت بسيارتي جنوباً. كانت الرحلة أشبه بسيمفونية أخاذة، تزداد تشويقاً وجمالاً حتى تصل إلى الذروة مع مشاهد قصور المدينة، وجبالها، وبحيرتها. بعد تجاوزنا قاعدة فرنسية غريبة في سالافاس، حيث تتحدث مجموعة من صناع البسط اللغة الفرنسية بطلاقة، لتلبية حاجة الفرنسيين إلبسطهم ذات الرسومات والالوانت المشرقة، انعطفنا نحو جبال آرفالي البارزة من بعيد، على طول ضفة النهر الجاف الوعرة.

لكن كل حفرة في هذه المنطقة يقابلها مشهد ملوكي، وهنا برز أمامنا قصر صغير كان قد حول إلى فندق تراثي أنيق جديد. بني هذا القصر على يد فاتح باغ الذي نقل 65 ألف كتلة حجرية من مسافة خمسين كم، وبناها بالقرب من راناكبور، بقصد بعث جو من الروحانية والتصوف، فإذا به يغدو المكان الأمثل لرحلات السياح الغربيين التي يكتظ بها الفندق اليوم.

أما الملاذ الأمثل لرياضة اليوغا الروحانية فتجده في معبد جاين الشهير، القائم على 1444 عموداً من الرخام، كلاً منها منقوش بشكل متفرد. ولم تمر دقائق حتى كنا جالسين القرفصاء إلى جانب رجل دين نحيل لكن قوي، يدعى جاي براكاش شارما. وقد تضمنت جلسة التأمل الروحاني العميق إبداء الإعجاب بسيارتي، حيث قال ”كان أوتو راجنيش، أحد الفلاسفة العظماء في الهند، يحرص ان يكون له كل يوم، ابتسامة جديدة، وغطاء للرأس مع ألماسة جديدة، وسيارة رولز رايس جديدة“. بعد ذلك، تسلقنا لمسافة 1100 متر وصولاً إلى قمة جبال آرفالي، حيث بدأت أقترب من أودايبور بوتيرة سريعة. وأودايبور هي نعيم السياح، والجنة الملقبة ب“فينيسيا الشرق“. لكن من تراه يحفل بالحشود؟ فيمكنك تجنب حشود السياح والعيش والاستمتاع كالملوك، بسهولة باجتياز بحيرة بيكولا، والاتجاه الى فندق مهيب بني في جزيرة جاغنيواس عام 1754.

فندق ”قصر البحيرة” (Lake Palace) المشيد من الرخام الأبيض، كان مسرحاً لبعض أحداث فيلم ”أوكتوبوسي“ لجيمس بوند، وهو مكان ذو جاذبية طاغية، تنير غرفه مصابيح خفيفة الإضاءة، وفيه أراجيح قديمة الطراز، فضلاً عن فناء هادئ تزينه نافورة ماء. لكن فتيات جيمس بوند رحلن للأسف عن هذا المكان منذ زمن طويل، ولم يبق إلا بعض الألمان الكبار في السن المجهزين بكامل عدة السفاري.

عندما حل المساء، اقترب موعدي مع مهرانا أودايبور شريجي آرفند سنغ ميوار، على شرفة منزله الساحر، وهو جزء من المجمع الذي يضم فندق ”قصر شيف نيواس“ (Shiv Niwas Palace Hotel) التابع لسلسلة الفنادق الـ 13 التابعة لسموه، اما انا فإن اهتمامي بحياة الملوك، كان قدأخذ بالتحول إلى حسد لأصحابها.

بدا لي أن المهرانا (او المهراجا) يستمتع بحياته فعلاً: فرق البولو ، ومجموعات من الطائرات الصغيرة والسيارات الكلاسيكية المفتوحة أمام الزوار في فندق ”غاردن أوتيل“، ومن هذه المجموعة سيارة رولز رايس تعود إلى ثمانين سنة خلت، تم تعديلها لنقل فرق الصيد ولاعبي الكريكيت. وقد علق المهرانا على هذه النقطة قائلا ”يا له من أمر فظيع! كان يجدر بهم استخدام سيارة بي.إم.دبليو“. ويلوح من بعيد، تحت ضوء القمر الكبير الشاحب قليلاً، ”قصر مونسون“ المتلألئ على قمة الجبل الاخضر، حيث كان يعيش سموه هناك في الأعالي خلال موسم المطر. أما الآن، فقد بات مسكناً مهجوراً. ويقول المهرانا المبتهج دائما، والذي يبلغ الثالثة والستين من العمر ”لقد كان التخلي عنه مسألة اقتصادية فقط. تماماً كما يمكن للمرء ان يهجر خليلة قديمة“.

وللسبب الاقتصادي ذاته سيكون علي التخلي قريباً عن هذا الانغماس الساحر في الامتيازات، ومخالطة علية القوم، والغوص في التاريخ. وسوف أعود إلى حياتي العادية، وفي يدي كأس من العصير الجاهز البارد، وسندويشة“كفتة نباتية“ بأربعين روبية، وأشاهد فيلم جيمس بوند ”أوكتوبوسي“ عند الساعة الثامنة مساء، على سطح أحد الفنادق البسيطة. في فيلم بوند هذا، سيلوح قصر البحيرة من خلف كتف العميل 007، وسط أنوار مغبرة مائلة الى اللون الزهري، على بعد كيلومتر فقط، لكن في عالم مختلف كل الاختلاف.




  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة