Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
أنت تقول كفتة، وأنا أقول كباب 










بالنسبة لأنييسة حلو، مؤلفة كتب الطبخ، حتى طريقة إعداد الفتوش تقول الكثير عنك، بل يمكن أن تبين من أي بلد أنت! كما يقول أندرو هامفريز

يصعب ترتيب لقاء مع أنيسة حلو المشغولة دائماً، رغم أنها راغبة في المساعدة وفي اللقاء وتواقة للحديث فهي ستكون هذا الأسبوع في لبنان، وفي الاسبوع التالي ستكون في مكان آخر. وبالكاد أتيحت لمصورنا فرصة ليلتقط صوراً لها. وعندما جلسنا أخيراً لتناول كوب من الشاي الأخضر في شقتها العالية المفتوحة، لم يتوقف الهاتف عن الرنين. ولم ترد أنيسة سوى على مكالمة واحدة لتقدم اعتذارها عن عدم وفائها بموعدها مع طبيب الأسنان. إنها مشغولة جداً حقاً.

نحن هنا للحديث عن المقبلات، موضوع كتابها الأخير. ولكن يمكننا بسهولة الحديث أيضاً عن الفن الإسلامي، والعائلة المالكة في الكويت، وأدوات الصيد، والتصميم الداخلي، ومن ثم “القلوبات”، وكلها اهتمامات لعبت دوراً في حياة أنيسة حلو حتى اليوم. ثم هناك شعر أنيسة، فهو جدير بالملاحظة فعلاً، اذ يبدو كموجة كبيرة من الشعر المتعرج الذي خطه الشيب، وأقرب وصف له، ما قاله فنان موسيقى الجاز جورج ميلي ذات مرة، بأنه شعر “إلسا لانشستر” في فيلم “عروس فرانكشتاين”. ولا شك أن تعليقاً مثل هذا لفنان شهير وضعه في كتاب طبخ ليصف شعر الكاتبة، يحكي الكثير عن أنيسة حلو.

ولدت أنيسة في بيروت، لأب سوري وأم لبنانية، وتلقت تعليمها هناك في مدرسة فرنسية تديرها الراهبات. وفي سن الـ 21، انتقلت الى لندن لدراسة التصميم الداخلي. ولم تشعر أنها تستطيع “التعايش” بما يكفي مع التصميم، لذا، وبناء على نصيحة إحدى صديقاتها، وهي زهى حديد، المصممة المعمارية الشهيرة، سجلت في دورة حول “تاريخ الفن” لدى بيت المزادات العالمي الشهير “سوذبي”. وتطورت العلاقة بين الطرفين فعينت ممثلاً لـ “سوذبي” في الشرق الأوسط، وامتلكت وأدارت متجراً للقطع الأثرية في باريس، متخصصاً في الأثاث والقطع الفنية. وبين عامي 1978 و1986 عاشت في الكويت، حيث عملت مستشارة لبعض أفراد العائلة المالكة المهتمين بتكوين مجموعات خاصة من الفن الإسلامي. وخلال هذه الفترة، بدأت أنيسة أيضاً في بناء مجموعاتها الفنية الخاصة.

وتقول أنيسة “انتقلت الى عالم الطبخ بالصدفة. فقد كنت جالسة مع وكيلة أعمالي نناقش وضع كتاب عن جمع التحف، حيث كنت قد جمعت الكثير من الأشياء الجميلة، ثم قادنا الحديث الى كتب الطبخ، وقلت: ولكن كما تعلمين، لا يوجد كتاب طبخ جيد عن الأطعمة اللبنانية في أي مكان، وقالت: كارولين، “حسناً، قدميه كفكرة مقترحة”.

وتمضي أنيسة قائلة “لم أكن أعلم شيئاً عن هذا اللون من الكتابة، واعتقدت أن الأمرسيكون سهلاً. وبعد عامين، وفي أكتوبر 1994، تم نشر كتابها “المطبخ اللبناني”. وأتبعته أنيسة بكتاب “مقاهي الشارع المغربي”، وتعلق على ذلك “لي صديقة لديها منزل في طنجة، وكنت أزورها عدة مرات في العام. ومن هنا تعرفت الى المطبخ المغربي، وأحببته”. وفي ربيع 1999، قررت أنيسة تغيير مجرى حياتها. فباعت منزلها ذا الطراز الفيكتوري، ووضعت مجموعاتها الفنية في مزاد. واحتاج الأمر الى كتالوج مكوّن من 124 صفحة، حمل اسم “مجموعة الحلو”، لوصف كل ما تضمنته هذه المجموعات، ومن أبرزه مجموعة من أدوات الصيد العتيقة كبيرة الحجم، تعكس عشق السيدة الحلو للصيد، وانتقلت الى الشقة التي تقيم فيها حالياً في شرق لندن والمكونة من طابقين. وقد خصصت الطابق العلوي كله للطعام: فجزء منه يحتله مطبخ احترافي ضخم مصنوع من معدن غير قابل للصدأ والجزء الثاني يضم منضدة من الأبنوس تتسع بسهولة لعشرة أشخاص، في حين وضعت مكتبها الذي تجلس عليه للكتابة في القسم الباقي. وفي السقف، توجد فتحة كبيرة ينفذ منها الضوء الطبيعي ليفيض على المكان بكامله، وتقول “اخترت هذه الشقة بسبب كوة النور هذه. فإن كنت لبنانياً مثلي، فببساطة، لن تستطيع العيش دون ضوء النهار”.

وفي قاعدتها الجديدة هذه كتبت أنيسة كتابها التالي “طعام الشارع المتوسطي” (صدر عام 2002)، وأتبعته بكتاب “الربع الخامس” (عام 2005)، وهو كتاب رائد متخصص في استخدامات وفوائد لحم “القلوبات” وصدر في هذا الشهر أحدث كتبها وهو “المقبلات العصرية”، الذي يركز على الأطباق العصرية”، الذي يركز على الأطباق الصغيرة التي لا غنى عنها في المطبخ اللبناني والسوري واليوناني والتركي، اضافة الى بعض الأطباق من المغرب. وتقول أنيسة “لا تعتبر المقبلات تقليداً دارجاً في المغرب. ولكن لديهم مجموعة كبيرة من السلطات اللذيذة، والأطباق الجانبية التي يمكن تصنيفها بشكل طبيعي ضمن المقبلات المعروفة”.

وتضم مقدمة الكتاب الجديد حكاية روتها الكاتبة عن ذكرياتها كطفلة عندما كانت تخرج مع العائلة لتناول هذه الأطعمة الخفيفة في أحد المطاعم على ضفاف نهر البردوني في زحلة، شمال شرق بيروت. وتصف الكاتبة نوادل المطعم وهم يحملون صينية بعد أخرى محملة بالأطباق الصغيرة التي تكدست فيها أصناف الأطعمة اللذيذة، وكيف كان أفراد العائلة يغمسون قطع الخبز الصغيرة في هذه الأطباق اللذيذة. وتضيف “بمجرد الانتهاء من تناول أحد الأطباق، يقوم النادل سريعاً برفعه، وإحضار طبق جديد بدلاً منه. كنا نترك أهلنا وهم يتحادثون ونذهب لللعب قرب الماء. وعندما نبدأ في الإحساس بالجوع ثانية، نعود لنجد أطباقاً يدة قد أضيفت الى المائدة. كأن هذه الوجبة اللذيذة لا تنتهي أبداً”.

ولكن الفكرة التي يقوم عليها كتاب أنيسة الأخير “المقبلات العصرية”، كما تؤكد، تذهب أبعد من الأطباق التي تتذكرها منذ الطفولة، لتتضمن أنواعاً مأخوذة من مختلف المطابخ، بخلطات ومذاقات جديدة. كما أنها تبسط وتعدل بعض الوصفات التقليدية. “أتبع طرقاً حديثة في إعداد الطعام، فمثلاً، أقلل من عصير الليمون لأني أقدم النبيذ مع الطعام. وأستخدم القليل من الدهون لأني ببساطة لا أحبها. كما أميل الى تبسيط الوصفات قدر الإمكان لأني، رغم حبي للطبخ، لا أريد أن أقضي يومي بأكمله في المطبخ”.

أما ما لا تفعله أنيسة حلو، كما تقول، فهو مزج المطابخ العالمية المختلفة “أحب أساليب طهو عديدة من أماكن كثيرة من العالم، ولا أرغب بالطبع في إفسادها بخلطها معاً. ولكني أريد أن أجعلها أسها وأكثر بساطة”. ويعود كثير من وصفات أنيسة في كتبها الى خبرات أمها، التي لا تزال تعيش في لبنان، واعتمدت أنيسة في كتبها على الكثير من الأسفار والبحوث الميدانية، وتقول “للأضع كتاب طعام الشارع المتوسطي، ذهبت الى أماكن كثيرة، سافرت إلى مصر، حيث كدت أموت بسبب عدم النظافة، ولكنها كانت رحلة ممتعة”. كما أنها اعتمدت على تجربة مأكولاتها على الأصدقاء.

وتركزت رحلات أنيسة حلو الأخيرة على سوريا، استعداداً لمشروع جديد يتضمن سلسلة من الجولات “المطبخية” التي تعتزم إطلاقها لاحقاً هذا العام. وقد عادت لتوها من دمشق وحلب، وعن رحلتها تقول “لقد كانت هذه بالأساس رحلة تخطيطية لأحدد من أين سأنتقي مجموعة المآكل. ذهبت الى محل سميراميس في دمشق، والمعروف بصنع الحلويات الرائعة، وفي حلب، زرت أحد المحلات الشهيرة بإعداد “الحلاوة” المصنوعة من الطحينة. والحقيقة أن الجميع يعرف الحلاوة، والكل يحبها ويأكلها، ولكن قليلين جداً في الحقيقة يعرفون كيف تصنع”، واشارت الى جذور نباتات مشرقية غامضة تستعمل فيصنع الحلاوة. وبينما تواصل أنيسة حديثها، يتشح بجلاء كيف أن إعداد كتب الطبخ والحلويات يمكن بسهولة أن يستغرق سنتين، ولا شك، أن التفاصيل الدقيقة لإعداد الطعام، والاختلافات البسيطة في المكونات

“قلت لا يوجد كتاب طبخ جيد عن المأكولات اللبنانية، فقالت وكيلة أعمالي كارولين حسنا، قدميه كفكرة مقترحة”.

موضوع يثير الاهتمام ويستهلك الكثير من الجهد. فمثلاً، توجد فروق دقيقة بين المطبخ اللبناني والسوري. “يمكنك أن تتخيل خلطة الزعتر، الذي يصنع منه المناقيش، أو يتم تناوله بتغميس قطعة خبز صغيرة بزيت الزيتون ثم بالزعتر، وبذور السمسم والسماق. ولكن هذه هي الوصفة اللبنانية. أما في سوريا، فهي أكثر تعقيداً، وهي بلون مختلف. لون أحمر. وفي الحقيقة أعتقد أنه مائل الى البني، ولكنهم يسمونه أحمر. ويتم سحق الخليط جيداً، كما أنه يحتوي على الكثير من المكونات الإضافية، مثل المكسرات، والحبوب، والتوابل العديدة، ولديهم أيضاً زعتر بحبوب الرمان، وزعتر ملكي بالفستق الحلبي”.

إنها الدقة في التفاصيل، والتي يبدو أنها تمثل أهمية بالغة لدى أنيسة حلو، وتلاحظ أنيسة أن اللبنانيين يصنعون “الكبة المقلية” على شكل بيضاوي، بينما يجعلونها كروية في سوريا، مضيفة “والفتوش أيضاً. فالسوريون يقلون الخبز بالزيت، ونحن نحمصه. وأحياناً يضعون الجبن فيه، ولكننا لا نفعل ذلك إطلاقاً. كما أنهم يستعملون دبس الرمان في كل شيء تقريباً، ولكننا نادراً ما نفعل. والكباب بالنسبة لنا يعني قطعاً مكعبة من اللحم، وبالنسبة لهم يعني الكفتة. وهم يستخدمون لحم الجمل، ولكننا لم نره إطلاقاً في لبنان”.

تتوقف أنيسة لتعرض علينا “مزيداً من الشاي؟” وهي تأكد بكل حزم “عندما يتحدث الناس عن المطبخ الشرق أوسطي، فإنهم يقصدون اللبناني في الغالب. ولكن هذه الطريقة في التعميم لا تعجبني. فهناك اختلافات كافية بين المطابخ المتنوعة في المنطقة لا تسوغ إطلاق اسم واحد عليها. وإنما أحب تسمية كل منها بإسمه”.




  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة