Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
مأكولات الجدة الحلبي 










كيفن غولد يسافر إلى سوريا، في رحلة فريدة يقتفي فيها جذور أسرته عبر تذوق الأطباق الحلبية اللذيذة.

قلة ربما من الاشخاص، هم الذين يضعون سوريا على قائمة البلاد التي ينبغي ان يزوروها، لكنها والحق يقال، تمنح للذواقة في عالم الطعام، مكافآت نادرة. تنحدر جدتي الراحلة من أسرة عنزروت التي يعود أصلها الى حلب. أذكر أن جدتي كانت طاهية ماهرة، ولطالما تباهت، بتواضع، بأن المطبخ في المشرق. ورغبة في استكشاف موطن أجدادي (آل عنزروت غادروا حلب قبل مائة عام أو أكثر، متوجهين نحو الإسكندرية ومانشستر الساحرة)، وصلت الى تخوم هذه المدينة المغبرة بعد رحلة استمرت تسع ساعات في سيارة كاديلاك قديمة يملكها أحد مهربي السجائر الأكراد (تخللتها عدة توقفات للصيانة)، واجتزت خلالها الحدود الى سوريا من معبر غير رسمي. ولما كنت أتحرق شوقاً الى الاستحمام، وتناول وجبة حلبية شهية، قررت التوجه إلى فندق ومطعم في قلب المدينة القديمة، كان المؤرخ فيليب مانسيل المختص بالحضارة العثمانية قد أوصاني بزيرته. لسوء لحظ، كانت سيارتنا كبيرة جداً بالنسبة لشورع المدينة العتيقة، مما اضطرني الى ركوب عربة قديمة مفتوحة محملة بالجبس (وهي التسمية الحلبية للبطيخ الأحمر)، ويجرها حمار، لتقودني الى فندق ومطعم “بيت السيسي”.

صحيح أنها ليست الطريقة المثلى ليصل بها المرء الى فندق أو مطعم فخم، لكن السيدة الأرمنية عند مكتب الاستقبال لم تعر الأمر اهتماماً، واكتفت بإرشادي الى حجرة جوها منعش. ويتألف بيت السيسي من منزلين متجاورين يعود أصلهما الى القرن 17، ضما الى بعضهما وأضيفت عليهما الكثير من الزخرفات العثمانية المنمقة، فضلاً عن لمسات ساحرة تذكر بعالم ألف ليلة وليلة: من نوافير الماء، والتزيينات الجدارية المصنوعة من الجص، الى الأواني النحاسية المشغولة بدقة بالطرق اليدوي، وعدة أشياء أخرى تذكر بالحقبة التي كانت فيها حلب المحطة الشرقية الأخيرة لكل من طريق الحرير وقطار الشرق السريع، وواحدة من أهم أسواق الشرق الأوسط. تناولت العشاء الذي قدم بإشراف رئيس الندل بسترته السوداء، وشعره الأملس اللماع المفروق عند منتصف الرأس، حيث يبدو كأنه أرخى رأسه الى الوراء تحت الدش قبل أن يظهر أمامنا، أو ربما اختار تسريحة ثعلب الماء الشهير “تاركا”، كما عمل على خدمتي العديد من الندل وقدموا لي حبات الفستق الحلبي الصغيرة الدافئة مع مشروب بارد.

وسرعان ما وصل الحمص، إذا كان الفرنسيون يعتمدون على الخبز كنكهة أساسية يقيمون بها أذواقهم، فإن الأمر نفسه ينطبق على الحمص في الشرق الأوسط. فلا أذكر وجبة عربية واحدة تذوقتها إلا وتضمنت الحمص. كما أن الخبز متوفر بكثرة هنا أيضاً. فطيلة فترة إقامتي في سوريا، بالكاد وقعت على الأرز مرة، وفي المقابل، كانت الأفران تطالعني في كل مكان، وهي تنتج الخبز المستدير المسطح الطري. الخبز الطازج كان غالباً، هديتي المفضلة لحراس الحدود والضباط وسائقي سيارات الأجرة ذوي المراس الصعب. المهم أن الحمص كان لذيذاً جداً، أما التبولة، فكانت الطبق التالي، حيث توزعت قطع البندورة المفرومة ناعماً، والأشبه بمجوهرات مرصعة، ضمن مزيج البقدونس المزين بالليمون، والفليفلة الخضراء (الفلفل الأخضر)، والبرغل الطري الناعم.,

بعد ذلك، قدم لنا النادل اللوبياء الخضراء بالثوم، والفتوش، مع جبنة الماعز البيضاء المنكهة بحبة البركة اللاذعة، الى جانب معجنات البرك المقلية المحشوة بالجبنة ذاتها. ومع أن العشاء انسار على هذا النمط الشهي، إلا أن ما تذوقته حتى تلك الساعة كان أطعمة عربية بشكل عام، وليس المأكولات الحلبية الفريدة. ويبدو أن “تاركا” قرأ أفكاري، فما كان منه إلا أن أمر بتقديم الباذنجان المقلي مع صلصة دبس الرمان، والوجبة الرئيسية المميزة: اللحم بالكرز(ويسميها الحلبيون “لحمة بكرز”)، وهو الطبق مكون من كريات كباب صغيرة من لحم الضأن، تقلى بالزبدة المصفاة، وتوضع بعدها في صلصة كرز الوشنة ذو الطعم المختلط الحامض والحلو، والتي تتضمن قطعاً صغيرة من الخبز الطازج، وتنثر فوقها بذور الصنوبر المحمصة، وتزين بالبقدونس المفروم الناعم وترش فوقها القرفة المطحونة. إنها فعلاً وجبة عظيمة! ومع أن الوجبة ومذاقها يوحيان بأنه طبق معاصر من إعداد أحد المطعمين الشهيرين “إل بولي” الإسباني أو “ذا فات داك” البريطاني، إلا أن جذوره تعود في الحقيقة الى القرن الرابع قبل الميلاد، حين زرعت بذور كرز الوشنة الصيني، للمرة الأولى، في تدمر. يذكر أن هذا الطبق لا ينجح إلا اذا استخدم فيه كرز الوشنة تحديداً. بعد هذا العشاء الدسم، لم يبق مجال لتذوق الحلويات. ثم أن أمهر الطهاة لن يستطيعوا أن يقدموا ما يفوق اللحمة بكرز لذة. لذا قررت التجول في أنحاء المدينة، وإذا بي أجد نفسي في شارع نابض بالحياة، يعج بالأفران التي يبيع أصحابها الأرمن حلويات “هريسة اللوز”. فاشتريت كيساً كاملاً، ومع كل قضمة منها، كنت أستعيد جزءاً من ذكرياتي مع جدتي.





 

 

  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة