كانت تعرف سابقاً برياضة الملوك، ولكن حسب تقرير طوني بلير فإن أصل سباقات الخيل يعود للشيوخ اشتهرت في منتصف القرن الماضي، مقولة لمربي الخيول المعروف فيديريكو تيزيز، في معرض تعليقه على سباقات الأحصنة “إنها تنظم لأن عملية الاختيار لا ترتبط بالخبراء أو التقنيين أو علماء الحيوان، بل بمجرد قطعة خشبية واحدة: جائزة المركز الأول على منصة التتويج في سباق إبسوم دربي”. في عام 1977، شق الشيخ محمد بين راشد آل مكتوم طريقه الى حلبة السباق الموحلة، في أعلى بلدة برايتون الإنكليزية، المطلة على البحر، وجل اهتمامه منصرف لمشاهدة حصانه المشارك في السباق للمرة الأولى. عندئذ، أيقن الجميع أن تيزيو كان محقاً. لكن بعد مضي ثلاثين سنة نجد أن الشيخ، الذي أصبح اليوم حاكم دبي ونائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ورئيس الوزراء، لم يول الاهتمام الكافي بفرانكي ديتوري، حيث سمح لهذا الفارس الأسطوري الذي كان يعمل لحساب اسطبلات الشيخ بالانتقال لركوب جواد تابع لاسطبل منافس في سباق “دربي” في منطقة إبسوم الإنكليزية، هذه السنة. ولكن إبسوم هذه الأيام فقدت الكثير من بريقها، فقد أصبحت مجرد أحد السباقات بين مجموعة متنوعة من السباقات العالمية التي تجذب أهمل الخيالة والأحصنة والمشاهدين. ومن هذه السباقات: جائزة قوس النصر في باريس بداية شهر أكتوبر، وكأس مربي الخيول الأميركي في وقت لاحق من الشهر ذاته، وهو السباق الذي يطلق عليه الأميركيون تسمية منمقة هي “بطولة العالم للخيول الأصيلة”، فضلاً عن كأس اليابان في نوفمبر. وهذا الى جانب السباق الذي أنشأه الشيخ محمد نفسه، والمعروف ببطولة كأس دبي الالمية للخيول، وهو ينظم في بداية موسم السباقات المسطحة في شهر مارس. غير أن سباقاً واحداً يحتل المكانة الأهم بالنسبة لهذا القائد الخليجي، فالجائزة التي يطمح اليها أكثر من غيرها هي كأس سباق “كنتاكي دربي” في لويزفيل بالولايات المتحدة، والذي يقام في السبت الأول من شهر مايو كل عام. عوامل عدة، اقتصادية، واجتماعية ورياضية أدت الى هذا التحول الجوهري في تاريخ السباقات. غير أن الشيخ محمد بن راشد نفسه هو من أحدث التأثير الأقوى في التغيير الجذري الذي طرأ على هذه الرياضة. ولعل الشيخ محمد أول من يعترف بفضل بريطانيا على هذه السباقات، نتيجة الهيمنة الطويلة التي بسطتها “دربي” بشكل خاص على هذه الرياضة. غير أن الشيخ يعي تماماً، في الوقت ذاته، أهمية الدور الكبير الذي لعبته منطقته في رسم تاريخ سباقات الخيول الأصلية. فلا بد لكل جواد يقرع حلبة من حلبات السباق العالمية اليوم أن يكون سليل واحد من هذه الخيول الأصيلة لا غير: بيرلي التركي، ودارلي العربي، وغودلفين البربري. وكانت بريطانيا قد استوردتها كلها من الشرق الأوسط وتركيا وتوسعها الإمبريالي في أواخر القرن السابع عشر، وأوائل القرن الثامن عشر. من هنا، حرص الشيخ محمد المكتوم، في إطار مقابلة نادرة نشرت قبل سباق “كنتاكي دربي” هذه السنة، على التذكير بأن أجداد رياضة سباق الخيل العصرية يتحدرون من خيول يعود أصلها الى موطنه. فقال: “يعود أصلها كلها الى المنطقة العربية. كلها من شبه الجزيرة العربية”. ولم يكتف الشيخ بالمساعدة في تطوير رياضة سباق الخيل، لكنه أسهم، في الوقت ذاته، في إعادة أنشطة السباق الى منطقة تخوض، هي نفسها، مرحلة من التحولات الكاملة. فقبل حوالي نصف قرن، كانت دبي مدينة صغيرة تضم مرفأ تجارياً متواضعاً، وتشتهر بصيد الأسماك واللآلئ، والزراعة على نطاق ضيق. غير أن اكتشاف النفط في الستينات من القرن الماضي أحدث نقلة نوعية في هذه الدولة. وعلى الرغم من ذلك، أدرك الحكام من آل مكتوم أن الإمارة لن تتمكن من الاعتماد على النفط الى الأبد، سيما وأنه من المتوقع للمخزون أن ينفذ خلال السنوات العشرين او الثلاثين المقبلة. في الوقت عينه، يتوقع الخبراء الاقتصاديون ان تتمتع دبي بأسرع معدل للنمو السكاني والاقتصادي في العالم خلال الفترة ذاتها. من هذا المنطلق، ونتيجة الحاجة الى تنويع ايرادات الإمارة، رصدت استثمارات هائلة لصناعتي الرياضة والترفيه في دبي، وشكل سباق الخيل حتى يومنا هذا جزءاً أساسياً منها. لم يكن “حتا” الحصان الذي فاز بسباق المضمار المتعرج في برايتون عام 1979، الا البداية بالنسبة للشيخ. فقد أمضى السنوات الثلاث عشرة التالية في تطوير أعماله في مجال استيلاد الخيول وتربيتها، لمنافسة الخصم القوي الوحيد في هذا المجال، وهي شركة كوولمور التي يديرها الملياردير الغامض جون مانييه، في ايرلندا. وما كان من أسرة آل مكتور، عام 1992، إلا أن جمعت نخبة الجياد الأصلية التي تملكها في أنحاء العالم وأعادتها الى منطقة الخليج، تحت اسم “اسطبلات غودلفين”. وقد واجهت معارضة شديدة في بداية الأمر، ويروي الشيخ أن أحد مدربيه المقيمين في بريطانيا لم يتحمل أن يفقد أقوى الجياد في اسطبله، فهتف متسائلاً: “وماذا ستأكل الخيل هناك؟ الرمال؟” طبعاً، لم يرض الشيخ بأنصاف الحلول. ويقدر أن آل مكتوم قد أنفقوا منذ بداية الثمانينات نحو 1.5 مليار دولار على الأحصنة ومزارع جياد الاستيلاد والاسطبلات، بما في ذلك تكلفة بناء طائرة بوينغ 747 مجهزة خصيصاً لنقل الأحصنة. وخلال هذا الوقت، كانت صورة السباقات قد تغيرت. لكن لا يمكن الادعاء بأن “اسطبلات غودلفين” قد حققت النجاح المنشود. فخزانتها في دبي لا تضم حتى الآن اي جائزة من سباق “كنتاكي دربي”، وأداء الجياد على حلبة السباق ما يزال دون المستوى المطلوب، بالمقارنة مع الموارد السخية التي تصرف عليها. ويرد العديد من الخبراء معاناة “اسطبلات غودلفين” الى أسباب عديدة، منها الحرب الباردة التي يعتقد أنها نشأت بين آل مكتوم، ومنافسيهم في شركة كوولمور. فقد قررت هذه الشركة ألا ترسل أفضل جيادها للسباق في دبي، كما رفض آل مكتوم بدورهم، على مدى العامين المنصرمين، أن يرسلوا أي فرس الى مزارع كوولمور للاستيلاد، او حتى شراء أي حصان من سلالة جيادها، في خطوة اعتبرت رد فعل انتقامي على جفاء كوولمور. في الوقت الراهن، تحاول غودلفين منافسة نظرتها التي تعود لكوولمور في أوروبا، مع الإشارة الى أن إمبراطورية الخيول الأخيرة هذه، قد ازدادت قوة منذ حدوث الانفصال. لذا يعتقد الكثيرون أنه يجدر بآل مكتوم مراجعة قرارهم، إذا لم يكونوا يرغبون في تراجع غودلفين أكثر. والى جانب “اسطبلات غودلفين”، تتضمن إنجازات الشيخ محمد سباق كأس دبي العالمية، وهو سباق الأحصنة الأغنى في العالم، وتجربة تشبه سباق “آسكوت” الملكي تحت الأضواء. خلال فترة السباق، ينقل عشاق الخيول في دبي امتعتهم لقضاء ليلتهم في مضمار “ند الشبا”، حيث يلقى أبناء الغرب معاملة ملوكية على يد مضيفيهم في دبي والشركات العملاقة التي استقرت في الإمارة. بالإضافة الى ذلك، تقول لورا كنغ، رئيسة التحرير السابقة لمجلة السباقات “رايسويك” في دبي: “تنشئ كافة المطاعم والنوادي العالمية مراكز تابعة لها حول مضمار السباق، فيرتادها الجميع لقضاء أوقات ممتعة”. فضلاً عن ذلك، يشعر أهالي المنطقة ببهجة السبق أيضاً. ويقول الصحافي بول هيغز “إن أجواء ند الشبا فريدة من نوعها، نظراً لغياب المراهنات على خيول السباق على الأرجح. فتقبل أسر خليجية بأكملها بأثوابها التقليدية، وتفرش البسط على العشب، بينما يتعلم المشاهدون الأجانب، بعد أن يتجاوزوا ذهولهم من غياب نوافذ المراهنة، أن يستمتعوا بالعرض والسباق حباً بهما لا أكثر”. بحلول العام 2010، سينتقل السباق الى مضمار “الميدان” المجاور، وهو اليوم عبارة عن ورشة بناء انطلقت أعمالها بعد يومين من انتهاء أحدث سباق لكأس دبي العالمية. لكن من المقرر أن يتحول هذا الموقع بعد أربع سنوت الى أكثر حلبات السباق تطوّراً في العالم. فقد صممت الحلبة على شكل طائر الصقر عند النظر اليها من الأعلى، وتمتد على مساحة هائلة تبلغ 76 مليون قدم مربع، كما تتضمن مدرجاً مسقوفاً طوله كيلومتر واحد، يمكن الوصول إليه بحراً أيضاً، بالإضافة الى فندق محاذ للحلبة من جهة أخرى. ويعتقد الخبراء أن الشيخ لن يلقى عائداً مالياً مجزياً مقابل المليار دولار أميركي التي يستثمرها في “الميدان”، من أجل تحويل رؤياه الى حقيقة وتحقيق المرحلة الثانية من أحد أكبر طموحاته في الحياة. غير أن الأمر ليستحق العناء إذا تمكن من “إعادة السباق الى موطنه”، كما أعلن عند إطلاق مشروع “الميدان”. ولعل أحد المظاهر المستقبلية المثيرة بخصوص هذا المشروع هو قدرته على استيعاب ثمانين ألف شخص، مع الإشارة الى أن عدد المتفرجين حالياً لا يتعدى 35 ألف مشاهد. لكن نظراً للظروف المناخية، فإن موسم السباق لا يدون إلا لبضعة أشهر، بينما تعتبر نشاطات هذه الرياضة في شهري نوفمبر وديسمبر ضعيفة. وكان كرنفال دبي، وهو سلسة من السباقات الأسبوعية في “ند الشبا” تسبق كأس دبي العالمية، قد أحرز خطوة مهمة الى الأمام هذه السنة، من خلال استقطاب قدر أكبر من الحضور الدولي، ومتسابقين من الدرجة الأولى. لكن حرصاً على عدم بقاء مشروع “الميدان” مجرد خيال، في باقي أيام السنة، وسعياً لجذب حشد أكبر لمسابقة كأس العالم، لعله من المفيد أن يعد الشيخ خطة لاستقطاب أفضل الأحصنة في العالم الى بلده، فضلاً عن أصحاب الخيل ومدربيها. أما السؤال المهم بالنسبة للغربيين حول إمكانية السماح بالمراهنات، فما يزال قيد التداول، لكن بينهم هم. وكان أعضاء مجلس إدارة “الميدان” قد أعلنوا، خلال المؤتمر الصحافي الافتتاحي، عن رفضهم القاطع للمراهنات، حين سئلوا عن إمكانية فتح هذا الباب. وعلى الرغم من ذلك، ما تزال الشائعات تتناول هذا الموضوع. لكن مهما كانت المفاجآت التي يخبئها المستقبل، فإن أمراً واحداً يبقى أكيداً، وهو أن الشيخ محمد لا ينام على أمجاده. كيف لا وهو الذي قال يوماً “لا وجود لخط النهاية في السباق نحو الامتياز”. |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |










