Gulf Life Home Page Gulf Air Home Page
رغم كل التحديات 






بكل ما يتسم به من أناقة، وإثارة للجدل، كان على كازينو لبنان أن يصمد
أمام الكوارث لسنوات طويلة. في هذا التقرير، يحدثنا

هيو مكلويد عن الجهود لإعادة مكانته كأحد المواقع الأكثر اثارة في العالم

لعل رمسيس الثاني أول من حرك عجلة الغزوات منذ ثلاثة عشر قرناً قبل الميلاد. ومنذ ذلك الوقت شهد التاريخ توالي الشعوب والجيوش على أرض لبنان على امتداد العصور، من نبوخذ نصر الى هنيبعل، ومن المماليك الى الجنرال اللنبي، لينتهي بهم الأمر جميعاً على منوال واحد: الفشل الذريع أمام الجبال الخضراء المنيعة شمال بيروت، وليعودوا أدراجهم نحو مياه المتوسط الزرقاء، عند خليج جونيه، حيث يعبرون مكاناً يدعى “وادي الحرامية”.

ويقول الياس نمر، الحارس العجوز للجسر الحجري القديم الذي بناه الرومان، لمساعدة قوافلهم على عبور الطريث الساحلية “كان قطاع الطرق يتربصون بالقوافل عند هذا الجسر، فيضطر كل موكب الى دفع ضريبة معينة قبل أن يسمح له بالمرور”.
واليوم، يتكرر المشهد من جديد لكن بلون مختلف. قبعد أن قصفت الطائرات الإسرائيلية الجسر الرئيسي، شمال جونيه، خلال الاعتداء الأخير على لبنان الصيف الماضي، أصبح على المسافرين عبر الطريق العام الساحلية التوجه بسياراتهم نحو طريق فرعية، لسلوك الوادي. وهناك، في مكان عال يشرف على زحمة السير، تبرز وسيلة أكثر أناقة لتبديد الأموال وتفريغ جيوب الناس: وهي كازينو لبنان، المنشأة الأقدم والأكبر للقمار في الشرق الأوسط، لا بل المكان الوحيد في المنطقة المرخص بشكل رسمي لألعاب الميسر.

بعد استماعنا الى درس التاريج الوجيز هذا، اجتاح الدكتور خاطر أبي حبيب، رئيس مجلس إدارة الكازينو، شعور طاغ بالحنين الى الماضي. فترك الأفكار ترتحل به قبل أن يعود الينا ويقول متأملاً “عجباً لقدرة الجغرافيا على فرض نفسها في شؤون الإنسان!”
ومع أن الجغرافيا كانت تعيد نفسها هنا، إلا أن زحمة السير الخانقة أخذت تعكر صفو الأجواء الهادئة المحيطة بالكازينو. فما كان من الإدارة إلان أن تأخذ الأمر على عاتقها، وأن يدفع الكازينو المبلغ اللازم لإعادة إعمار الجسر، وقدره ثلاثة ملايين دولار”.

وبفضل هذه المرونة والقدرة على التكيف في وجه المحن، استطاع الكازينو الاستمرار في العمل في ظل عقود من الاضطرابات، التي كانت لتودي بغيره من شركات الترفيه. وكان الكازينو افتتح أبوابه في العام 1959، كمشروع عصري كلف مئات الملايين من الدولارات، وفي شكل يحاكي النماذج الكلاسيكية الفرنسية لكازينوهات مونتي كارلو. أما كميل شمعون صاحب الفكرة، فكان رئيس الجمهورية آنذاك، واعتبر إنشاء هذا الكازينو طريقة لتسخير صناعة القمار المزدهرة في لبنان لصالح الدولة.

فبموجب العقد التأسيسي لكازينو لبنان، يتمتع هذا الأخير بحق احتكار كافة ألعاب القمار في لبنان، مقابل تسديد ما يبلغ اليوم 40% من أرباحه كل ليلة الى خزينة الحكومة، قبل اقتطاع التكاليف والنفقات العامة. كما يفرض عليه أيضاً دفع ضريبة الشركات على أرباحه الصافية.

“يونس حمزة، المدمن السابق على القمار، خسر عائلته عندما خسر 180 ألف دولار أميركي في ليلة واحدة، مما أدى في النهاية الى اصابته بنوبة قلبية”.

وقد شكل الكازينو منذ إنشائه قضية مثيرة للجدل. فقد اعتبره النقاد رمزاً لسياسات الرئيس شمعون الداعمة للمسيحيين، حيث فضل جماعة الموارنة التي ينتمي اليها، والتي تشكل الأكثرية الساحقة من سكان جونيه، على حساب مسلمي لبنان. ولما كان الميسر محرماً في الإسلام، فقد شعر الكثير من المسلمين اللبنانيين بالاستياء مما اعتبروه رمزاً “للفساد المسيحي”.

رغم ذلك، تحول الكازينو الى مركز ضخم للهو في الستينات وبداية السبعينات، أي خلال الحقبة التي تعرف اليوم بالعصر الذهبي، كما ذاع صيته كأحد أفخم مواقع القمار واللهو في العالم. وإذا بالأثرياء والمشاهير من مشارق الأرض ومغاربها يتوافدون لمشاهدة البرامج الليلية الفخمة، وحضور الأعمال الموسيقية والغنائية الغربية، ومعظمها من تنظيم المنتج الفرنسي-الأميركي المقيم في لبنان، شارلي هنشيس. أما أبرز هؤلاء المشاهير، فتذكر منهم مديرة العلاقات العامة في الكازينو، رين ريشا “ليندون جونسون وزوجته، وعمر الشريف، وشاه إيران، وألبيرت أمير موناكون، على سبيل المثال لا الحصر”.

ثم كان العام 1975 وبداية الحرب الأهلية التي استنزفت لبنان على مدة خمسة عشر عاماً. هنا، يعلق جوزيف مسعد، أحد مدراء صناديق النقد قديمي العهد في الكازينو قائلاً كنا نفتح أبوابنا في يوم، ثم نغلقها في اليوم التالي”. وقد تمكن الكازينو بشكل أو بآخر من فتح أبوابه طيلة سنوات الحرب تقريباً، حيث استقطب طبقة محلية جديدة من الزبائن المسيحيين الأثرياء في بيروت الشرقية، بعد أن كانوا قد فروا شمالاً نحو جونيه، هرباً من أهوال الحرب.

في نهاية المطاف، اضطر الكازينو الى الإقفال بشكل نهائي في العام 1989، بعد أن تضررت واجهته الأمامية بسبب نيران القذائف التي اصابته. ولكن من المثير للاعجاب انه وبعد مضي سبع سنوات لا غير، كان برنامج اعادة اعمار الكازينو وتجديده، قد تم بتكلفة خمسين مليون دولار أميركي، مع تجهيز ستين طاولة موزعة على ثلاث غرف، لألعاب البلاك جاك، وستاد بوكر، وبنوتو بانكو، والروليت الأكيركية. كما أضيفت أيضاً أكثر من ثلاثمائة ماكينة نقدية فوارة، وهي اللعبة التي تفضلها عادة السيدات المسيحيات المسنات. ومع مقدم عام 1998، اكتمل ترميم صالة السفراء، بحيث اصبحت تستوعب ستمائة وعشرين شخصاً ويمكن لهم أن يجلسوا ويستمتعوا بالعروض، كما تم تجديد المسرح الضخم الضي يعرف بإسم مسرح لبنان، والذي يتسع لنحو ألف وخمسين شخصاً، وليصبح بهذا المسرح الأكبر في البلاد.

ليس الترفيه الذي يقدمه الكازينو جزءاً أساسيا مما أسماه أبو حبيب “العقد الاجتماعي التأسيسي” للشركة فحسب، بل إنه أيضاً أحد الأسباب الرئيسية التي ضمنت استمراره في العمل. ويضيف أبو حبيب قائلاً “مع أننا نعي جيّداً ما يجري في لبنان، إلا أننا نحاول أن نتصرف وكأن الأحداث المشؤومة غير موجودة، كما نبذل جهدنا دائماً لتنظيم افضل العروض الممكنة”.

ويعتبر أبو حبيب أن للكازينو دوراً سياحايً مهماً بالنسبة للبنان، وعن ذلك يقول “لو كنا شركة تجارية في شكل صرف، واضطررنا الى إلغاء العروض، لأصبنا على الأرجح بالإفلاس. غير أن عملنا يمتاز ببعد إيديولوجي، بما أننا نشكل دعامة أساسية من دعائم السياحة في لبنان، وبالتالي علينا تحمل الخسائر”.

غير أن هذه الخسائر كانت كبيرة في بعض الأحيان. فخلال الصيف الماضي، كان من المفترض أن تباشر فرقة من السيرك الكندي الشهير في أنحاء العالم “سيرك الشمس” بتقديم عروضها يوم 16 يوليو، أي في اليوم ذاته الذي بدأت فيه عمليات القصف الجوي الإسرائيلي على لبنان والذي استمر شهراً بطوله، وقضى تماماً على موسم السياحة المنتعش في الصيف عادة، ومن الطبيعي ان تتأثر فرقة السيرك بالأحداث، فخفت حماسة المهرجين والبهلوانات في عرض مواهبهم. فكانت النتيجة ان الفرقة قررت العودة ةتمت اعادة شحن حاويات ضخمة الى الخارج، مليئة بالأراجيح والخيم ومعدات اللاعبين، ما إن تحركة عجلة العمل مجدداً في مطار بيروت.

ويردف أبو حبيب “لقد خسرنا أفضل مواسمنا جراء الحرب، كما تعسرت الأعمال خلال ثاني أفضل موسم، أي الخريب، بسبب موجة الإغتيالات السياسية والإحساس العميق بالأزمة. وليس هذا فحسب، بل إننا نواجه أزمة سياسية مستمرة منذ شهر ديسمبر”.
بالإضافة الى ذلك، تعكر قسم كبير من صناعة الترفيه لهذا الصيف ايضاً بسبب المشاكل الأخيرة، وتم الغاء العديد من البرامج الترفيهية، منها برنامج رجل ألعاب الخفة اللبنانية المعروف جينو، وهو بمثابة النسخة اللبنانية من الساحر العالمي دافيد كوبر فيلد، أما البرنامج الوحيد الذي بقي كما كان مقرراً هو الاستعراض الراقص “ميرسي باريس” والذي يبدأ عروضه في منتصف يوليو.

ومن المشاكل التي تعرض لها الكازينو، والتي كانت قد كثفت من السحابة السوداء المخيمة على عجلة الأعمال في لبنان، الاختلاسات الهائلة التي أقدم عليها عملاء الاستخبارات السورية ونظراؤهم من اللبنانيين خلال التسعينات، حسب ادعاءات اللبنانيين المناوئين لسوريا. وبلغت الاختلاسات، تبعاً لتقديرات جو فضول، أحد المستشارين الماليين اللبنانيين، خمسين مليون دولار في السنة.

غير أن المثير للعجب هو استمرار الكازينو بتحقيق الأرباح: ففي العام الماضي، وزع أرباحاً تبلغ عشرين دولاراً تقريباً للسهم الواحد، على المساهمين الذين فاق عددهم الألف، وأهمهم المصرف المركزي التابع للحكومة،ووزارة المال التي تملك 48% من شركة إنترا للاستثمار، التي تملك بدورها الحصة المهيمنة الكبرى في الكازينو.

ورغم الخسائر التي تكبدها الكازينو هذه السنة، يتوقع أبو حبيب أن تحقق الشركة الارباح من جديد. وكان سعر السهم في الكازينو قد شهد ارتفاعاً مضطرداً، منذ انسحاب الجنود السوريين من الأراضي اللبنانية عام 2005.

وخلال هذه المراحل كلها، جدير بالقول أن المقامرين هم من حافظ على استمرارية هذه الشركة، حتى في أحلك أيامها. وعن هذا يقول أبو حبيب “بعد ثلاث ساعات من تدمير الطائرات الإسرائيلية للجسر عند الطريق العام، على بعد مئات الأمتار منا لا أكثر، قمنا بإزالة الزجاج المكسور، واستقبلنا المقامرين عند طاولات اللعب. فاللبنانيون معروفون بقدرتهم العظيمة على التكيف مع التغييرات، مع الإشارة الى أن لاعبي القمار يشكلون نوعاً مميزاً من الناس بشكل خاص”.

في الأسبوع الأخير من يونيو، نظمن مباراة “بوكل تكساس هولم إم غير المحدودة” التي جمعت 144 لاعباً من لبنان، مصر والخليج. وقد انتهت مغامرتي الشخصية القصيرة، خلال رحلتي الأخيرة الى الكازينو، بشكل أسرع مما توعت: فخلال أقل من عشر دقائق، كنت قد خسرت مائلة دولار أميركي في لعبة البلاك جاك السريعة التي تتطلب 17 دولاراً كحد أدنى للرهانات.

لكن لا سبيل لمقارنة هذه الخسارة بالرقم القياسي الاستثنائي الذي حققه يونس حمزة، الحاكم السابق لوادي البقاع شرقي لبنان. فبعد أن جنى هذا الرجل الملايين بفضل أعماله في جنوب إفريقيا، وأصبح أباً لخمسة أبناء، عاد الى لبنان عند نهاية الحرب الأهلية، ليدير الأرض التي أورثه إياها أجداده الذين تعود أصولهم الى العثمانيين. وسرعان ما ارتفعت قيمة رهاناته من خسارة أولى بلغت خمسمائة دولار، إلى خمسة آلاف دولار في كل رهان عام 1993.

ويقول حمزة “أدركت أنني أتحول الى مدمن قمار، عندما كنت أقود سيارتو من الكازينو فجراً للذهاب الى مقر عملي في البقاع”. ولكن من الجدير بالذكر أن ممارسته المزمنة للعبة القمار كانت قد ملفته خسارة أسرته. ولما خسر مائة وثمانين ألف دولار في ليلة واحدة، عشية رأس السنة من العام 1997، أصيب بنوبة قليب. ويتابع المدمن السابق اعترافاته “لم تبارحني مشاعر التعلق بالقمار، وعوضاً عن العودة الى رشدي، بعت دارتي الصيفية التي كلفتني مليون دولار، مقابل 300 ألف دولار لا غير، وواصلت اللعب. في العام 2000، أصبت بنوبة قلبية أخرى، وفهمت أخيراً الرسالة الإلهية بضرورة تغيير نمط حياتي”.

بعد خسارة كامل ثروته تقريباً، والبالغ قيمتها خمسة ملايين دولار، بسبب إدمانه على القمار لسبع سنوات، إالتأم شمل عائلة حمزة من جديد، وتمكن من إعادة بناء شركته بنجاح. وبعد هذه التجربة العميقة أصبح حمزة يعتبر أن عليه واجب تحذير الآخرين من الوقوع في نفس التجربة، ويقول “أحذر الأشخاص من المغالاة في لعب البوكر والروليت. فقد يدمر الأمر حياتهم”. ثم يصمت قبل أن يضيف بروح من الدهاء “لكن إذا كان الناس سيرتادون الكازينو فعلاً، فأنصحهم بضرورة المراهنة دائماً على الآص!”.





  Go back to previous page

ارجع الى الصفحة السابقة